كلمات مفتاحية
مفاوضات قسد / دمشق - الانتفاضة العشائرية - الإدارة الذاتية الكردية - التوترات في دير الزور - الصراع العربي / الكردي - عشائر شرق سوريا - سيناريوهات التمرد المحتمل - ملف دمج الفصائل - تداعيات أحداث السويداء - التنافس التركي / السوري
في ظلّ المشهد السوري الداخلي المطبوع بالضبابية، حيث تتقاطع مؤشرات الجمود السياسي مع مظاهر عدم الاستقرار الأمني، تتجه الأنظار نحو مسار المفاوضات بين الحكومة السورية و"قسد". ويُعوَّل على هذه المفاوضات في أن تفضي إلى صيغة تفاهم تدمج "قسد" ضمن بنية الدولة، بما يجنّب المنطقة مواجهة مفتوحة، في حال تعثّر المسار التفاوضي.
شكّل اتفاق 10 مارس/آذار 2025 محطة مفصلية لانطلاق سلسلة لقاءات بين الطرفين بهدف تنفيذ بنوده. ومع انتقال النقاشات إلى الملفات التقنية، برزت ملامح تصلب في موقف "قسد" من خلال تمسّكها بمطالب عالية السقف، أبرزها الاحتفاظ بكتلة عسكرية موحّدة داخل الجيش، وهو ما يطرح تساؤلات حول احتمالات فشل الاتفاق وما قد يرافقه من سيناريوهات بديلة1
شكّل اتفاق 10 مارس/آذار 2025 محطة مفصلية لانطلاق سلسلة لقاءات بين الطرفين بهدف تنفيذ بنوده. ومع انتقال النقاشات إلى الملفات التقنية، برزت ملامح تصلب في موقف "قسد" من خلال تمسّكها بمطالب عالية السقف، أبرزها الاحتفاظ بكتلة عسكرية موحّدة داخل الجيش، وهو ما يطرح تساؤلات حول احتمالات فشل الاتفاق وما قد يرافقه من سيناريوهات بديلة1
قواسم مشتركة ومؤشرات التمرد المحتمل
يحتفظ المزاج العام في مناطق دير الزور والرقة وأجزاء من الحسكة وخصوصاً في المناطق ذات الأغلبية العربية بتطلعات إلى الاندماج مجدداً في الحكومة المركزية. وفي ظل الطبيعة العشائرية لهذه المجتمعات2، يبقى خيار الانتفاضة المحلية ضد "قسد" وارداً، خاصة أن أحداث السويداء الأخيرة أظهرت أن الفاعلين العشائريين قادرون على فرض معادلات جديدة.
اعتمدت "قسد" منذ تأسيسها تحت قيادة عسكرية يغلب عليها الطابع الحزبي الكردي, نموذج "الإدارة الذاتية" الذي اتسم بالإقصاء وغياب المشاركة الفعلية، وفرضت منظومة أيديولوجية لا تتسق مع الخصوصية الاجتماعية للمناطق العربية. وتطوّر هذا المسار مؤخراً إلى تبني مطالب باللامركزية السياسية، كما ورد في مؤتمر الأحزاب الكردية الأخير، بما يتجاوز مفهوم اللامركزية الإدارية المتعارف عليه3.
أمام هذا الواقع، ومع تصاعد مصادرة الانتماءات والخيارات السياسية من قبل "الإدارة الذاتية"، يتزايد الاحتقان الشعبي في الجزيرة السورية، مدفوعاً برغبة الانخراط الكامل في مؤسسات الدولة. هذه الديناميكية قد ترفع من احتمالات مواجهة مفتوحة مع "قسد"، بما يستدعي قراءة دقيقة للبنية السكانية والعشائرية في كل محافظة على حدة، وفهم أنماط التفاعل المتباينة مع سياسات "قسد" تمهيداً لاستشراف مآلات المشهد المقبل4.
اعتمدت "قسد" منذ تأسيسها تحت قيادة عسكرية يغلب عليها الطابع الحزبي الكردي, نموذج "الإدارة الذاتية" الذي اتسم بالإقصاء وغياب المشاركة الفعلية، وفرضت منظومة أيديولوجية لا تتسق مع الخصوصية الاجتماعية للمناطق العربية. وتطوّر هذا المسار مؤخراً إلى تبني مطالب باللامركزية السياسية، كما ورد في مؤتمر الأحزاب الكردية الأخير، بما يتجاوز مفهوم اللامركزية الإدارية المتعارف عليه3.
أمام هذا الواقع، ومع تصاعد مصادرة الانتماءات والخيارات السياسية من قبل "الإدارة الذاتية"، يتزايد الاحتقان الشعبي في الجزيرة السورية، مدفوعاً برغبة الانخراط الكامل في مؤسسات الدولة. هذه الديناميكية قد ترفع من احتمالات مواجهة مفتوحة مع "قسد"، بما يستدعي قراءة دقيقة للبنية السكانية والعشائرية في كل محافظة على حدة، وفهم أنماط التفاعل المتباينة مع سياسات "قسد" تمهيداً لاستشراف مآلات المشهد المقبل4.
المحافظات الثلاث: خصوصيات وسيناريوهات
تختلف المعطيات الميدانية والاجتماعية في دير الزور عن باقي المحافظات الشرقية، فهي تكاد تخلو من التنوع العرقي والديني، حيث يشكل العرب المسلمون السُنة الغالبية المطلقة، ويقوم النسيج الاجتماعي على بنية عشائرية تقليدية ذات تنظيم وتأثير ملحوظين5، تستند إلى مرجعيات لطالما أبدت استياءً من الهيمنة الكردية المتمثلة في "قسد". وقد تجلّى هذا الاستياء في أشكال متعددة، من احتجاجات شعبية متكررة ومقاطعة مجالس "الإدارة الذاتية"، إلى مواجهات مسلّحة، أبرزها أحداث عام 2023 حين قاد الشيخ إبراهيم الهفل، شيخ عشيرة العكيدات، انتفاضة مسلّحة لم يُكتب لها النجاح6.
تنقسم المحافظة حالياً إلى شطرين، أحدهما تحت سيطرة الحكومة السورية، والآخر بيد "قسد"7. وقد عمدت الحكومة إلى تأسيس فرقة عسكرية يغلب على عناصرها أبناء المنطقة، وتعرف باسم "أحرار الشرقية"، ما يوفر بيئة مشجعة على تحرّك مسلّح ضد "قسد"8.
وبالنظر إلى طبيعة الأرض والفاعلين المحليين، تبدو الظروف في دير الزور أكثر مواءمة لانطلاق انتفاضة، قد لا تحتاج إلى حدث استثنائي أو زمن طويل كي تتفجر. وتدرك "قسد" هذه المعادلة جيداً، الأمر الذي قد يدفعها إلى خيار الانسحاب وتسليم مناطق المحافظة للحكومة، تفادياً لمواجهة عسكرية خاسرة، على أن يتم ذلك – إن حصل – مقابل ترتيبات سياسية تسعى "الإدارة الذاتية" لانتزاعها من دمشق.
أما في الرقة والتي تتشابه مع دير الزور في بنيتها العشائرية، وفي غلبة المكوّن العربي على هويتها الديمغرافية، مع وجود محدود للأكراد في الشمال9، إضافة إلى بعض العائلات المسيحية والشركسية. ورغم حضور البنية العشائرية، فإنها أقل تنظيماً وأضعف تأثيراً مقارنةً بنظيرتها في دير الزور.
يشترك سكان الرقة، كسائر شرق سوريا، في حالة استياء من ممارسات "قسد"، خاصة ما يرتبط بالانتهاكات السياسية والأمنية والحقوقية، التي استهدفت إخماد أي صوت معارض. ويعود كثير من المراقبين إلى حادثة اغتيال الشيخ بشير الهويدي عام 2018، أحد أبرز شيوخ ووجهاء عشيرة العفادلة، باعتبارها نقطة تحوّل في العلاقة بين الأهالي و"قسد". فقد رفعت تلك الحادثة مستوى التوتر في المحافظة إلى حد توقع اندلاع انتفاضة، قبل أن تنجح "قسد" في احتوائها عبر مزيج من الترهيب والاحتواء10.
منذ ذلك الوقت، بقيت الرقة في حالة ترقّب، وكأنها تنتظر شرارة الانفجار، التي يرى بعض الفاعلين المحليين أنها قد تأتي بعد سقوط نظام الأسد، وربما تشكّل حينها نقطة انطلاق لانتفاضة واسعة ضد "قسد".
بالمقابل، يتسم المشهد الديمغرافي في الحسكة بتنوع مركّب على المستويات الدينية والعرقية والإثنية، إذ تضم العرب والكرد والآشوريين والسريان، في توزيع سكاني متداخل.
هذا التنوع جعل المجتمعات المحلية في المحافظة أقل ميلاً إلى الدخول في مواجهة مباشرة مع "قسد"، خاصة في ظل انخراط أعداد معتبرة من أبنائها ضمن صفوف الأخيرة. كما تفتقر الحسكة إلى بنية تنظيمية شاملة أو مرجعية اجتماعية موحّدة يمكن أن تؤطر الحراك الشعبي وتوجّهه نحو انتفاضة منظمة، وهو ما يفسر جزئياً رسوخ سطوة "قسد" وارتياحها النسبي في إدارتها للمحافظة.
مع ذلك، لا يخلو المزاج العام من اعتراضات على استئثار "قسد" بالسلطة وغياب قنوات المشاركة الفعلية، بما يشمل شريحة من المكوّن الكردي نفسه، إلى جانب تذمّر واسع من تردي الخدمات وتراجع المستوى المعيشي11.
ورغم توفر هذه المسببات، يبقى احتمال اندلاع انتفاضة محلية ضد "قسد" في الحسكة ضعيفاً، لاعتبارات ترتبط ببعدها الجغرافي عن مناطق سيطرة الحكومة المركزية، وبغياب الحاضنة المجتمعية القادرة على تحويل الاعتراضات المتفرقة إلى فعل سياسي منظّم.
تنقسم المحافظة حالياً إلى شطرين، أحدهما تحت سيطرة الحكومة السورية، والآخر بيد "قسد"7. وقد عمدت الحكومة إلى تأسيس فرقة عسكرية يغلب على عناصرها أبناء المنطقة، وتعرف باسم "أحرار الشرقية"، ما يوفر بيئة مشجعة على تحرّك مسلّح ضد "قسد"8.
لا يخلو المزاج العام من اعتراضات على استئثار "قسد" بالسلطة وغياب قنوات المشاركة الفعلية، بما يشمل شريحة من المكوّن الكردي نفسه، إلى جانب تذمّر واسع من تردي الخدمات وتراجع المستوى المعيشي
وبالنظر إلى طبيعة الأرض والفاعلين المحليين، تبدو الظروف في دير الزور أكثر مواءمة لانطلاق انتفاضة، قد لا تحتاج إلى حدث استثنائي أو زمن طويل كي تتفجر. وتدرك "قسد" هذه المعادلة جيداً، الأمر الذي قد يدفعها إلى خيار الانسحاب وتسليم مناطق المحافظة للحكومة، تفادياً لمواجهة عسكرية خاسرة، على أن يتم ذلك – إن حصل – مقابل ترتيبات سياسية تسعى "الإدارة الذاتية" لانتزاعها من دمشق.
أما في الرقة والتي تتشابه مع دير الزور في بنيتها العشائرية، وفي غلبة المكوّن العربي على هويتها الديمغرافية، مع وجود محدود للأكراد في الشمال9، إضافة إلى بعض العائلات المسيحية والشركسية. ورغم حضور البنية العشائرية، فإنها أقل تنظيماً وأضعف تأثيراً مقارنةً بنظيرتها في دير الزور.
يشترك سكان الرقة، كسائر شرق سوريا، في حالة استياء من ممارسات "قسد"، خاصة ما يرتبط بالانتهاكات السياسية والأمنية والحقوقية، التي استهدفت إخماد أي صوت معارض. ويعود كثير من المراقبين إلى حادثة اغتيال الشيخ بشير الهويدي عام 2018، أحد أبرز شيوخ ووجهاء عشيرة العفادلة، باعتبارها نقطة تحوّل في العلاقة بين الأهالي و"قسد". فقد رفعت تلك الحادثة مستوى التوتر في المحافظة إلى حد توقع اندلاع انتفاضة، قبل أن تنجح "قسد" في احتوائها عبر مزيج من الترهيب والاحتواء10.
منذ ذلك الوقت، بقيت الرقة في حالة ترقّب، وكأنها تنتظر شرارة الانفجار، التي يرى بعض الفاعلين المحليين أنها قد تأتي بعد سقوط نظام الأسد، وربما تشكّل حينها نقطة انطلاق لانتفاضة واسعة ضد "قسد".
بالمقابل، يتسم المشهد الديمغرافي في الحسكة بتنوع مركّب على المستويات الدينية والعرقية والإثنية، إذ تضم العرب والكرد والآشوريين والسريان، في توزيع سكاني متداخل.
هذا التنوع جعل المجتمعات المحلية في المحافظة أقل ميلاً إلى الدخول في مواجهة مباشرة مع "قسد"، خاصة في ظل انخراط أعداد معتبرة من أبنائها ضمن صفوف الأخيرة. كما تفتقر الحسكة إلى بنية تنظيمية شاملة أو مرجعية اجتماعية موحّدة يمكن أن تؤطر الحراك الشعبي وتوجّهه نحو انتفاضة منظمة، وهو ما يفسر جزئياً رسوخ سطوة "قسد" وارتياحها النسبي في إدارتها للمحافظة.
مع ذلك، لا يخلو المزاج العام من اعتراضات على استئثار "قسد" بالسلطة وغياب قنوات المشاركة الفعلية، بما يشمل شريحة من المكوّن الكردي نفسه، إلى جانب تذمّر واسع من تردي الخدمات وتراجع المستوى المعيشي11.
ورغم توفر هذه المسببات، يبقى احتمال اندلاع انتفاضة محلية ضد "قسد" في الحسكة ضعيفاً، لاعتبارات ترتبط ببعدها الجغرافي عن مناطق سيطرة الحكومة المركزية، وبغياب الحاضنة المجتمعية القادرة على تحويل الاعتراضات المتفرقة إلى فعل سياسي منظّم.
قواسم مشتركة ومؤشرات التمرد المحتمل
على الرغم من تباين مقاربات "قسد" في تعاملها مع المحافظات الثلاث السابقة، وما يعكسه ذلك من اختلاف السياقات المحلية، إلا أن ثمة قواسم مشتركة توفّر بيئة قابلة لاندلاع انتفاضة داخلية أو شكل من أشكال التمرّد، إذا ما وصلت مفاوضات الدمج مع الحكومة السورية إلى طريق مسدود.
على الرغم من تباين مقاربات "قسد" في تعاملها مع المحافظات الثلاث السابقة، وما يعكسه ذلك من اختلاف السياقات المحلية، إلا أن ثمة قواسم مشتركة توفّر بيئة قابلة لاندلاع انتفاضة داخلية أو شكل من أشكال التمرّد، إذا ما وصلت مفاوضات الدمج مع الحكومة السورية إلى طريق مسدود.
فحالة الاحتقان الشعبي السائدة يمكن أن تتحول إلى تحرك فعلي عبر مسارات متعددة، أبرزها انطلاق شرارة محلية نتيجة حدث أمني مفصلي، كاعتقال شخصية عشائرية مؤثرة أو اغتيالها، أو وقوع اعتداء مسلح على تظاهرة سلمية، أو غيرها من الحوادث التي تُنتج ردود فعل قابلة للتمدد بفعل الروابط العشائرية والاحتقان المشترك.
كما قد يتخذ التمرّد شكلاً أكثر تنظيماً، تقوده قيادات عشائرية تعمل على تعبئة أهلية مسلحة لمواجهة "قسد"، مع احتمالية مرتفعة لتلقي دعم إقليمي من دول تعتبر "قسد" تهديداً استراتيجياً، وفي مقدمتها تركيا. هذا السيناريو، في حال تبلوره، قد يفرض معادلات ميدانية جديدة على المشهد الشرقي، ويدفع "قسد" إلى إعادة حساباتها على نحو جوهري.
بين رهانات التسوية ومخاطر الانفجار
رغم المؤشرات السابقة التي قد تمهّد لاندلاع تمرد داخلي، تبقى هناك عوامل كابحة تحول دون تحوّل الاحتقان الشعبي إلى مواجهة مسلّحة شاملة. في مقدمة هذه العوامل، القبضة الأمنية المحكمة لـ"قسد"، التي لا تزال قادرة على ضبط المدن عبر إمكانات عسكرية معتبرة، وسجل طويل في قمع الاحتجاجات تحت ذريعة "مكافحة الإرهاب"12.
ويتضح ذلك في أحداث الرقة عام 2023، حين اتُّهم المتظاهرون بمهاجمة مؤسسات حكومية، فتم تفريقهم بالقوة، واغتيال بعضهم، واعتقال آخرين13.
يضاف إلى ذلك شبح "داعش"، الذي يشكّل مصدر قلق دائم لسكان الجزيرة السورية، إذ يُخشى أن يؤدي أي فراغ أمني أو تحوّل ميداني إلى توفير بيئة مناسبة لنشاط التنظيم. حيث يمكن أن تفقد "قسد" السيطرة على مراكز الاحتجاز، أو تُقدم على إطلاق سراح عدد من عناصر التنظيم كما سبق أن فعلت ذلك في 2024، بهدف تشويه صورة الحراك الشعبي، وإظهار أنه مقدمة لعودة "داعش"14.
يبقى هاجس الدمار على مختلف الأصعدة أكبر مخاوف السكان، خاصة مع استمرار "قسد" في عمليات التحشيد العسكري وحفر الأنفاق في مناطق سيطرتها. وبين هذه المعطيات، يظلّ الرهان كبيراً على نجاح المفاوضات الجارية لإتمام عملية الدمج، باعتبارها الفرصة الأخيرة لتجنب مواجهة باهظة الثمن قد يكون أبناء العشائر وقودها.
وفي حال فشل المفاوضات، فإن توجيه الحراك نحو انتفاضات شعبية مؤطّرة بالنفوذ العشائري بتدخل أو بدون تدخل عسكري مباشر من الدولة قد يشكّل وسيلة لإضعاف شرعية "قسد"، وانتزاع مساحات جغرافية وموارد منها، ومنعها من حشد التعاطف الدولي عبر تصوير المواجهة على أنها رفض طائفي لوجود المكوّن الكردي.
في المحصلة، يبقى الهدف الوطني المتمثل في بناء سوريا موحّدة ومتماسكة، يُنظر إلى تنوّعها بوصفه مصدر غنى حقيقياً، رهناً بقراءة دقيقة لمزاج مختلف الأطراف، وإدارة التفاعلات الداخلية بطريقة محسوبة التكاليف، تجنباً لانزلاق البلاد نحو مطبّات مستقبلية خطيرة.
ويتضح ذلك في أحداث الرقة عام 2023، حين اتُّهم المتظاهرون بمهاجمة مؤسسات حكومية، فتم تفريقهم بالقوة، واغتيال بعضهم، واعتقال آخرين13.
يضاف إلى ذلك شبح "داعش"، الذي يشكّل مصدر قلق دائم لسكان الجزيرة السورية، إذ يُخشى أن يؤدي أي فراغ أمني أو تحوّل ميداني إلى توفير بيئة مناسبة لنشاط التنظيم. حيث يمكن أن تفقد "قسد" السيطرة على مراكز الاحتجاز، أو تُقدم على إطلاق سراح عدد من عناصر التنظيم كما سبق أن فعلت ذلك في 2024، بهدف تشويه صورة الحراك الشعبي، وإظهار أنه مقدمة لعودة "داعش"14.
يبقى هاجس الدمار على مختلف الأصعدة أكبر مخاوف السكان، خاصة مع استمرار "قسد" في عمليات التحشيد العسكري وحفر الأنفاق في مناطق سيطرتها. وبين هذه المعطيات، يظلّ الرهان كبيراً على نجاح المفاوضات الجارية لإتمام عملية الدمج، باعتبارها الفرصة الأخيرة لتجنب مواجهة باهظة الثمن قد يكون أبناء العشائر وقودها.
وفي حال فشل المفاوضات، فإن توجيه الحراك نحو انتفاضات شعبية مؤطّرة بالنفوذ العشائري بتدخل أو بدون تدخل عسكري مباشر من الدولة قد يشكّل وسيلة لإضعاف شرعية "قسد"، وانتزاع مساحات جغرافية وموارد منها، ومنعها من حشد التعاطف الدولي عبر تصوير المواجهة على أنها رفض طائفي لوجود المكوّن الكردي.
في المحصلة، يبقى الهدف الوطني المتمثل في بناء سوريا موحّدة ومتماسكة، يُنظر إلى تنوّعها بوصفه مصدر غنى حقيقياً، رهناً بقراءة دقيقة لمزاج مختلف الأطراف، وإدارة التفاعلات الداخلية بطريقة محسوبة التكاليف، تجنباً لانزلاق البلاد نحو مطبّات مستقبلية خطيرة.
- 1. Samer al-Ahmed, “The Damascus-SDF agreement two months on: Fragile progress or delayed collapse?”,, the Middle East Institute, Publish Date: 09/05/2025, Link: https://bit.ly/45wxmNF
- 2. عمر عبدالرحمن، "العشائر العربية في السويداء.. هكذا تحولت للاعب مهم في المشهد السوري." جريدة الأمة الإلكترونية، تاريخ النشر: 04/08/2025، رابط إلكتروني: https://bit.ly/4lubMPV
- 3. أنس شواخ، "مؤتمر وحدة الصف الكردي: المضامين والمآل"، مركز جسور للدراسات. تاريخ النشر: 29/04/2025، رابط الكتروني: http://bit.ly/460EjHl
- 4. أنس شواخ، "العلاقة بين العشائر العربية وقسد: الواقع والمستقبل"، مركز جسور للدراسات، تاريخ النشر: 30/11/2025، رابط الكتروني: http://bit.ly/3Jk4uRm
- 5. سامر بكور، "التغريبة السورية: الحرب الأهلية وتداعياته المجالية والسكانية 2011-2020"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات, 2024. ص 25-26
- 6. “ Mohammed Hassan,”Deir ez-Zor torn between Arab tribes’ struggle for independence and the SDF’s efforts to subdue them the Middle East Institute"Publish Date: 09/09/2023,link: http://bit.ly/3UtvLDp
- 7. ماري-جوزيه القزي، "كيف قُسمت محافظة دير الزور بين "قسد" وإدارة العمليات العسكرية؟"، BBC عربي، تاريخ النشر: 11/12/2024، رابط الكتروني: http://bit.ly/45lhDSR
- 8. محمد كركص، "سورية: تعيين أبو حاتم شقرا قائداً للفرقة 86 في المنطقة الشرقية دون إعلان رسمي"، العربي الجديد، تاريخ النشر: 05/05/2025، رابط الكتروني: http://bit.ly/4mEAcY2
- 9. مهند الكاطع، "الجغرافية البشرية للأكراد في سوريا"، معهد العالم للدراسات، تاريخ النشر 09/07/2016، رابط الكتروني: https://2u.pw/CEuHN
- 10. إبراهيم العلوش، "مقتل الشيخ بشير الفيصل الهويدي في الرقة"، عنب بلدي، تاريخ النشر 11/11/2018، رابط الكتروني: https://2u.pw/OXK39hg
- 11. فيصل الحجي، "الواقع الخدمي والأمني والإنساني في شمال شرق سوريا"، مركز الحوار السوري، تاريخ النشر: 02/06/2025، رابط الكتروني: https://2u.pw/KuzoH
- 12. "انتهاكات 'قسد' مستمرة بعد سقوط الأسد: تصعيد أمني ومراوغة سياسية رغم الاتفاق مع دمشق"، شبكة شام الإخبارية، تاريخ النشر: 11/04/2025، رابط الكتروني: https://2u.pw/1crI9
- 13. "احتدام المعارك بين مقاتلي العشائر العربية و"قوات سوريا الديمقراطية"، الجزيرة نت، تاريخ النشر: 04/09/2023، رابط الكتروني: https://2u.pw/fuTxW
- 14. فراس الياس، "عودة التهديد: تنظيم "داعش" وقوات سوريا الديمقراطية وتحديات الأمن الوطني العراقي"، مركز البيان للدراسات والتخطيط، تاريخ النشر: 22/09/2024، رابط الكتروني: https://2u.pw/Q0hwe


