كلمات مفتاحية
بناء المؤسسات - إعادة الهيكلة - دمج الفصائل - الجيش الوطني - وزارة الدفاع - وزارة الداخلية - الكفاءة والولاء - التجربة الليبية - التجربة الجنوب إفريقية - العدالة الانتقالية
عقب سقوط نظام الأسد، باشرت القيادة السورية بخطوة تمهيدية على صعيد الجيش، تمثلت في سلسلة ترقيات وتعيينات، شملت ترقية وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، ورئيس هيئة الأركان علي نور الدين النعسان إلى رتبة لواء1. اتسمت هذه الخطوة بميل الرئيس السوري أحمد الشرع إلى إسناد الملفات الحساسة لأشخاص مقربين سبق أن عملت معه، مدفوعاً بعامل الثقة المتبادلة2.
رافقت تلك التعيينات خطوات أخرى اتسمت بأسلوب "الهدهدة"، عبر إسناد مناصب مدنية بارزة لقادة فصائل حليفة؛ حيث جرى تعيين عزام غريب، القائد السابق لـ"الجبهة الشامية"، محافظاً لحلب، وأحمد الشيخ، قائد فصيل "صقور الشام"، محافظاً لإدلب3. وقد دافع الشرع عن هذه الاختيارات باعتبارها ضرورية لتشكيل فريق متجانس قادر على إدارة المرحلة الانتقالية بكفاءة، بعيداً عن منطق المحاصصة الذي من شأنه تعطيل العمل وإرباك الأداء4.
تطرح هذه التطورات المبكرة في إعادة تشكيل المؤسسات الأمنية والعسكرية سؤالاً محورياً حول النهج الأمثل لهيكلتها في المرحلة الانتقالية: هل يجب أن يكون الاعتماد على الكفاءات المهنية المتخصصة، أم على الولاء السياسي والعقائدي لضمان الانسجام والاستقرار؟ هذا المقال يحاول الإجابة على هذا السؤال من خلال تحليل السياسات المتبعة في سوريا بعد سقوط النظام، ومقارنتها بتجارب دولية مشابهة، وصولاً إلى تقديم مقاربة متوازنة تراعي الخصوصية السورية وتستفيد من الدروس المستفادة خارجياً.
وزارة الدفاع من الفصائل إلى الجيش
شرعت القيادة، عبر وزارة الدفاع، في تطبيق خطة لدمج الفصائل المسلحة ضمن المؤسسات العسكرية والأمنية للدولة5، مترافقة مع إعادة تشكيل الفرق والألوية6، وتأسيس وحدات جديدة قائمة على مبدأ التطوع، مع إلغاء التجنيد الإجباري7، بهدف بناء جيش محترف قائم على الانخراط الطوعي. تزامن ذلك مع إنشاء لجان متخصصة مثل "اللجنة العليا لتنظيم البيانات العسكرية" و"لجنة الهيكلة"، أوكلت إليها مهمة توثيق الموارد البشرية والمادية، وإنشاء قاعدة بيانات دقيقة تمهيداً لدمج الفصائل وتسليحها ضمن الهيكلية الجديدة للجيش النظامي
8.
كما تزامنت مع العمليات سلسلة من اللقاءات بين وزير الدفاع وقيادات فصائل المعارضة السورية بما فيها فصائل درعا للاندماج ضمن هيكلية الجيش9، في حين تستمر التوترات مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بين الحين والآخر، على الرغم من وجود بعض الاتفاقات الجزئية، كما بقيت الفصائل في السويداء في طور التفاوض الذي لم يحل حتى اللحظة.
تسعى وزارة الدفاع السورية، من خلال جهودها المستمرة، إلى استيعاب الفصائل العسكرية وضبط السلاح، مع استقطاب كفاءات مؤهلة على أساس طوعي لبناء جيش وطني موحّد. وتواجه في ذلك تحديات معقدة تتعلق بالولاءات السياسية والعقائدية، الأمر الذي يستدعي إصلاحات مؤسسية وسياسية عميقة لتعزيز تماسك الجيش ووحدته، وضمان قيامه بدوره في ترسيخ السلام والاستقرار المستدام في البلاد.
كما تزامنت مع العمليات سلسلة من اللقاءات بين وزير الدفاع وقيادات فصائل المعارضة السورية بما فيها فصائل درعا للاندماج ضمن هيكلية الجيش9، في حين تستمر التوترات مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بين الحين والآخر، على الرغم من وجود بعض الاتفاقات الجزئية، كما بقيت الفصائل في السويداء في طور التفاوض الذي لم يحل حتى اللحظة.
تسعى وزارة الدفاع السورية، من خلال جهودها المستمرة، إلى استيعاب الفصائل العسكرية وضبط السلاح، مع استقطاب كفاءات مؤهلة على أساس طوعي لبناء جيش وطني موحّد
رافقت عملية الدمج سلسلة لقاءات بين وزير الدفاع وقيادات فصائل المعارضة السورية، بما في ذلك فصائل درعا، تمهيداً لانضمامها إلى هيكلية الجيش
10. ورغم التوصل إلى بعض الاتفاقات الجزئية، استمرت التوترات مع "قوات سوريا الديمقراطية" بين الحين والآخر، فيما بقيت الفصائل في السويداء في طور تفاوض لم يُحسم وذلك قبل انزلاق الأحداث في السويداء لوضع معقد لم ينته بعد. وعلى صعيد تعزيز القدرات العسكرية، أعلنت وزارة الدفاع عن تفاهمات مع دول صديقة وحليفة، وُصفت بـ"الشركاء الاستراتيجيين"، لتطوير التعاون في مجالات التدريب وتبادل الخبرات والدعم الفني واللوجستي كان آخرها مع تركيا بشكل رسمي11، شملت إرسال دفعات من عناصر وزارتي الدفاع والداخلية للتدريب في الخارج. تسعى وزارة الدفاع السورية، من خلال جهودها المستمرة، إلى استيعاب الفصائل العسكرية وضبط السلاح، مع استقطاب كفاءات مؤهلة على أساس طوعي لبناء جيش وطني موحّد. وتواجه في ذلك تحديات معقدة تتعلق بالولاءات السياسية والعقائدية، الأمر الذي يستدعي إصلاحات مؤسسية وسياسية عميقة لتعزيز تماسك الجيش ووحدته، وضمان قيامه بدوره في ترسيخ السلام والاستقرار المستدام في البلاد.
وزارة الداخلية: إعادة الهيكلة وضبط الأمن
اعتمدت وزارة الداخلية السورية، في مرحلة إعادة الهيكلة، على نموذج وزارة الداخلية في "حكومة الإنقاذ" بإدلب، حيث تولى بدايةً علي كدة منصب الوزير، ثم خلفه أنس خطاب. تزامنت هذه التعيينات مع إعادة تنظيم شاملة للوزارة بهدف تعزيز الأمن الداخلي والحدودي، واستحداث إدارات جديدة لضبط الأمن12. وفي إطار دمج الأجهزة الأمنية وتغيير مسمياتها، جرى توحيد جهازي الشرطة والأمن العام تحت مسمى "قيادة الأمن الداخلي"، كما تم تغيير اسم "إدارة الأمن الجنائي" إلى "إدارة المباحث الجنائية13" لتجاوز الارتباطات السلبية في ذاكرة السوريين، مع استحداث دوائر مختصة بتلقي شكاوى المواطنين لتعزيز الرقابة والمساءلة.
أبلغت وزارة الداخلية السورية في الحكومة الانتقالية جميع العناصر المنشقين أو الذين خدموا سابقاً في الشرطة السورية14، بضرورة مراجعة إدارة القوى البشرية في قيادات الشرطة في المحافظات للعودة إلى العمل. تزامن ذلك مع تخريج دفعة من منتسبي كلية الشرطة في دمشق15 ضمت نحو ألف عنصر من الشرطة المدنية وشرطة المرور. كما فتحت الوزارة باب الانتساب للشرطة والأمن العام عبر دورات الأفراد في كلية الشرطة16، وشملت هذه الدورات معظم المحافظات السورية. يلحظ أن عملية تجميع أفراد المخافر الشرطية كانت أكثر يُسراً مقارنة بالجهود المرتبطة بإعادة تنظيم وزارة الدفاع، إذ تمت عمليات التسليح والتجهيز بدرجة كبيرة من خلال جهود فردية أو بدعم مباشر من التشكيلات العسكرية السابقة، مثل "جيش الإسلام" في دوما و"لواء شهداء الإسلام" في داريا، مما سهّل فرض الأمن في مناطق مثل ريف دمشق.
أبلغت وزارة الداخلية السورية في الحكومة الانتقالية جميع العناصر المنشقين أو الذين خدموا سابقاً في الشرطة السورية14، بضرورة مراجعة إدارة القوى البشرية في قيادات الشرطة في المحافظات للعودة إلى العمل. تزامن ذلك مع تخريج دفعة من منتسبي كلية الشرطة في دمشق15 ضمت نحو ألف عنصر من الشرطة المدنية وشرطة المرور. كما فتحت الوزارة باب الانتساب للشرطة والأمن العام عبر دورات الأفراد في كلية الشرطة16، وشملت هذه الدورات معظم المحافظات السورية. يلحظ أن عملية تجميع أفراد المخافر الشرطية كانت أكثر يُسراً مقارنة بالجهود المرتبطة بإعادة تنظيم وزارة الدفاع، إذ تمت عمليات التسليح والتجهيز بدرجة كبيرة من خلال جهود فردية أو بدعم مباشر من التشكيلات العسكرية السابقة، مثل "جيش الإسلام" في دوما و"لواء شهداء الإسلام" في داريا، مما سهّل فرض الأمن في مناطق مثل ريف دمشق.
تجارب دولية والحالة السورية
لتقييم مسار الحكومة السورية الانتقالية في إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية، يمكن الاستفادة من تجارب ثلاث دول: البوسنة والهرسك، وجنوب إفريقيا، وليبيا. في البوسنة والهرسك، أسهم الإشراف الدولي في ضمان قدر من الحياد وتوفير الموارد والخبرات، مع اعتماد برامج تدريب موحدة بإشراف الناتو17، ركّزت على الولاء للدولة والمعايير المهنية، ونجحت في دمج مقاتلين من مكونات عرقية مختلفة، رغم استمرار الانقسامات السياسية والكلفة المرتفعة للإشراف الخارجي18.
أما جنوب إفريقيا، فقد دمجت الجيش الرسمي و قوات "المؤتمر الوطني الإفريقي" وفصائل أخرى عبر برامج تدريجية خاضعة لسلطة مدنية مركزية19 ، مما قلّل من الفوضى الداخلية وخلق قيادة سياسية موحّدة وهوية وطنية أوسع20، رغم بعض التوترات بين الكوادر ذات التاريخ القتالي المشترك وصعوبات لوجستية.
في المقابل، مثّلت ليبيا نموذجاً أقل نجاحاً بعد سقوط القذافي عام 2011، إذ أدى ضعف السلطة المركزية وسيطرة الولاءات المناطقية إلى فشل نسبي في توحيد القوات21 22، على الرغم من محاولات إنشاء هياكل مثل "الحرس الوطني" وتسجيل المقاتلين ضمن برامج وظيفية.
أما جنوب إفريقيا، فقد دمجت الجيش الرسمي و قوات "المؤتمر الوطني الإفريقي" وفصائل أخرى عبر برامج تدريجية خاضعة لسلطة مدنية مركزية19 ، مما قلّل من الفوضى الداخلية وخلق قيادة سياسية موحّدة وهوية وطنية أوسع20، رغم بعض التوترات بين الكوادر ذات التاريخ القتالي المشترك وصعوبات لوجستية.
في المقابل، مثّلت ليبيا نموذجاً أقل نجاحاً بعد سقوط القذافي عام 2011، إذ أدى ضعف السلطة المركزية وسيطرة الولاءات المناطقية إلى فشل نسبي في توحيد القوات21 22، على الرغم من محاولات إنشاء هياكل مثل "الحرس الوطني" وتسجيل المقاتلين ضمن برامج وظيفية.
خاتمة
تُظهر النماذج الدولية أن نجاح إعادة هيكلة القوات المسلحة يعتمد على وجود سلطة مدنية مركزية قوية، وبرامج تأهيل مهني موحدة23 ، وحوار وطني يعزز الثقة بين مختلف الأطراف، مع استثناء المتورطين في جرائم ضد الشعب. وفي السياق السوري، يقتضي الأمر إدخال كوادر جديدة مؤهلة عبر برامج تدريب احترافية، ودمج الكوادر القائمة على الولاء تدريجياً ضمن تسكين وظيفي مدروس، وفق معايير اختيار واضحة تشمل الكفاءة والخبرة. كما يجب إنشاء لجان عدالة انتقالية وهياكل أمنية موحدة تتجنب التهميش والصراعات، وتدعم عملية اندماج فعّالة ومستدامة.- 1. "بيان رسمي صادر عن وزارة الدفاع، عن ترقيات جديدة في صفوف الضباط"، تلفزيون سوريا، تاريخ النشر 29/12/2024، رابط الالكتروني: https://www.syria.tv/%D8.
- 2. "إعلان من القيادة العامة لـ "إدارة العمليات العسكرية" عن التعيينات"، شبكة شام، تاريخ النشر 26/12/2024، رابط الالكتروني: https://shaam.org/news
- 3. "مقال عن "دبلوماسية الهدهدة".. كيف يتحرك أحمد الشرع في حقل الألغام السوري؟"، الجزيرة نت، تاريخ النشر 13/1/2025، رابط الالكتروني: https://www.aljazeera.net.
- 4. "مقابلة خاصة مع الرئيس السوري أحمد الشرع"، تلفزيون سوريا، تاريخ النشر 4/12/2025، رابط الالكتروني: https://www.youtube.com/watch?
- 5. Development Donors and the Concept of Security Sector Reform.” DCAF Occasional Paper No. 4, Geneva Centre for the Democratic Control of Armed Forces, 2003
- 6. "تصريح لوزير الدفاع مرهف أبو قصرة على منصة اكس"، عربي 21، تاريخ النشر 17/05/2025، رابط الالكتروني: www.instagram.com/p/DJw9
- 7. "إعلان الحكومة السورية عن إلغاء الخدمة العسكرية الإلزامية"، العربي الجديد، تاريخ النشر 14/1/2025، رابط الالكتروني: https://www.alaraby.21
- 8. " إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية السورية (1).. خريطة الفصائل وخطوات الدمج"، المرصد المصري، تاريخ النشر 12/5/2025، رابط الالكتروني: https://marsad.ecss.com.eg/83552/
- 9. "حلّ الفصائل ودمجها في جيش سوريا الجديد خارطة من الفرص والتحديات"، الشرق، تاريخ النشر 25/12/2024، رابط الالكتروني: https://asharq.com/politicc
- 10. "حلّ الفصائل ودمجها في جيش سوريا الجديد خارطة من الفرص والتحديات"، الشرق، تاريخ النشر 25/12/2024، رابط الالكتروني: https://asharq.com/politicc
- 11. " وزارة الدفاع السورية تطلق خطة استراتيجية لإعادة هيكلة الجيش"، تفاصيل، تاريخ النشر: 29/6/2025، رابط الالكتروني: https://tafaseelpress.
- 12. " وزير الداخلية يكشف الهيكلة الجديدة للوزارة وأولويات مواجهة التحديات الأمنية"، الإخبارية، تاريخ النشر: 4/4/2025، رابط الالكتروني: https://alikhbariah.com.
- 13. تصريحات لوزارة الداخلية، تلفزيون سوريا، تاريخ النشر: 24/5/2025، رابط الالكتروني: https://www.facebook.com/syrtelevision.
- 14. "قرار من وزارة الداخلية"، تلفزيون سوريا، تاريخ النشر 19/2/2025، رابط الالكتروني: https://www.facebook.com/syrtelevision/.
- 15. تخريج دفعة جديدة من كلية الشرطة"، الخابور، تاريخ النشر 20/2/2025، رابط الالكتروني: https://www.alkhabour.com/ar.
- 16. "بلاغ من وزارة الداخلية"، وزارة الداخلية السورية، تاريخ النشر 10/1/2025، رابط الالكتروني: https://www.facebook.com/syrianmoi.
- 17. NATO Parliamentary Assembly. Reform of the Security Sector in Bosnia and Herzegovina. Special Report، 2002.
- 18. "مقال عن الأزمة البوسنية ومعوقات البناء والإصلاح"، مركز الجزيرة للدراسات، تاريخ النشر 18/3/2012، رابط الالكتروني: link 1.aljazeera.net.
- 19. Cawthra, Gavin. Securing South Africa’s Democracy: Defence, Development and Security in Transition. Palgrave Macmillan، 1997.
- 20. "بناء الدولة والتحديات الأمنية في ليبيا في عهد ما بعد نظام القذافي"، مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية، تاريخ النشر 1/9/2023، رابط الالكتروني: https://www.hnjournal.net/ar/4-9-9/. " مقال عن جنوب أفريقيا.. الجيش ينزل إلى الشارع للسيطرة على الاحتجاجات بعد سقوط أكثر من 100 قتيل"، مركز الجزيرة للدراسات، تاريخ النشر 16/7/2021، رابط الالكتروني: link 2.aljazeera.net.
- 21. Lacher, Wolfram. Libya’s Fragmentation: Structure and Process in Violent Conflict. I.B. Tauris، 2020.
- 22. "بناء الدولة والتحديات الأمنية في ليبيا في عهد ما بعد نظام القذافي"، مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية، تاريخ النشر 1/9/2023، رابط الالكتروني: https://www.hnjournal.net/ar/4-9-9/.
- 23. Paris, Roland. At War’s End: Building Peace After Civil Conflict. Cambridge University Press، 2004.


