ملخص
بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، وقّع الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مظلوم عبدي، اتفاقًا في العاشر من آذار/مارس 2025، يقضي باندماج الأخيرة في مؤسسات الدولة السورية الجديدة، 1، حيث كان من المتوقع أن يكون هذا الاتفاق هو بداية طيّ صفحة الحرب على معظم الجغرافيا السورية، والتركيز على بناء مؤسسات الدولة، وإعادة الإعمار، والتنمية الاقتصادية.حدّد اتفاق العاشر من آذار/مارس نهاية عام 2025 موعدًا نهائياً لتحقيق اندماج قوات سوريا الديمقراطية، غير أن تعقيدات الواقع، وتباين رؤية الطرفين لمضمون الاتفاق ذاته، لا تشير إلى إمكانية تحقيق هذا الهدف، ولا سيما فيما يتعلق بملف الاندماج العسكري، إذ ترغب (قسد) بالانضمام إلى الجيش السوري الجديد ككتلة واحدة، في حين تؤكد دمشق رغبتها في انضمام عناصر (قسد) كأفراد، رغم وجود أحاديث عن محاولة الحكومة السوري الانفتاح على صيغ بديلة تحافظ على نمط توافقي ويتوافق مع سلسلة القيادة في الجيش السوري الجديد2.
تتناول هذه الورقة تجارب سابقة لدمج التنظيمات "ما دون الدولة" في المؤسسات الرسمية، وتسعى إلى استخلاص الدروس المستفادة منها لإعادة التفكير في عملية إدماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مؤسسات الدولة السورية الجديدة، وذلك في ضوء قرب انتهاء المدة المحددة لاتفاق العاشر من آذار/مارس.
المقدمة
تُعد عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR) واحدة من أهم العمليات التي تخضع لها المجتمعات والدول التي تخرج من النزاعات والحروب الأهلية، وذلك في سبيل إعادة الأمن والاستقرار. ويحدد نجاح هذه العملية أو فشلها بشكل كبير مصير استدامة السلام والاستقرار في البلدان التي تشهد هذا النوع من النزاعات.
تركز عملية نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR3) على الجانب العسكري للفواعل السياسية والتنظيمات دون الدولة، وغالبًا ما تقترن بعملية إصلاح قطاع الأمن (SSR)4. تهدف هذه العمليات إلى إدماج الفواعل في مؤسسات الدولة بعد فترات زمنية محددة من الصراع أو النزاعات والحروب الأهلية. وقد شهدت العقود الماضية عدة حالات من تطبيق هذه العمليات: بعض الحالات حققت نجاحًا نسبيًا، كما في جنوب أفريقيا، وبعضها كان هشًّا أو متعثّرًا، كما في ليبيا والعراق، في حين فشلت حالات أخرى تمامًا وأدت إلى عودة الحرب، كما في السودان.
وفي الحالة السورية، يكتسب هذا الإطار أهمية خاصة بالنظر إلى ظهور تنظيمات مسلحة ما دون الدولة في بيئة الحرب والفراغ الأمني، لا سيما في شمال وشمال شرق سوريا. فقد سيطرت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تشكّل الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، على نحو ثلث مساحة سوريا، بما في ذلك محافظات الحسكة والرقة ودير الزور وأجزاء من حلب.
إن دراسة محاولة دمج “قسد” في مؤسسات الدولة السورية الجديدة تتيح فهم الصعوبات البنيوية التي تواجه العملية، كما تقدم إطارًا لتقييم فرص نجاحها أو فشلها في بيئة سورية معقدة سياسيًا وأمنيًا، وتساعد على استخلاص الدروس من التجارب المقارنة لتجنب سيناريوهات الفشل السابقة.
1- قوات سوريا الديمقراطية (قسد)
في صيف عام 2012، أعلن في شمال وشمال شرق سوريا، وتحديدًا في المناطق ذات الأغلبية الكردية، عن تأسيس وحدات حماية الشعب (YPG)، الجناح العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني (PKK) العامل في تركيا. لاحقًا، في عام 2013، تأسست وحدات حماية المرأة (YPJ)، اللتان شكّلتا معًا الذراع العسكري لحزب الاتحاد، وسيطرتا على المناطق ذات الأغلبية الكردية في شمال وشمال شرق سوريا، مستفيدتين من التفاهم الاستراتيجي مع نظام الأسد الذي فضّل ترك تلك المناطق دون فتح جبهة جديدة5.
محاربة وحدات حماية الشعب لتنظيم الدولة "داعش" أكسبتها دعمًا دوليًا، فتحولت إلى ذراع للتحالف الدولي لمكافحة داعش بقيادة الولايات المتحدة على الأرض السورية. لاحقًا، أصبحت العمود الفقري لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تأسست في خريف عام 2015 بتوجيه مباشر من الولايات المتحدة، في مسعى منها لتطمين حليفتها تركيا، دون أن يغيّر ذلك من موقف أنقرة، التي ما تزال تعتبر "قسد" غطاءً لامتدادات حزب العمال الكردستاني، المصنف إرهابيًا من قبلها، وقبل الاتحاد الأوروبي، وكذلك الولايات المتحدة.
مع مرور الوقت، ومع سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على نحو ثلث الأراضي السورية، رغم خسارتها لبعض مناطق سيطرتها في عامي 2018 و2019، ترسخ مشروع حوكمي مرتبط بأيديولوجية حزب العمال الكردستاني وقائده عبد الله أوجلان، تمثل فيه "قسد" الجناح العسكري، مع وجود مؤسسات أمنية وسياسية عديدة تدعم هذا الهيكل6.
2- النجاح النسبي: حالة جنوب أفريقيا
تخلّصت جنوب أفريقيا رسميًا من حكم الفصل العنصري (الأبارتايد) في أبريل 1994، حين أُجريت أول انتخابات عامة شملت جميع الأعراق. وكان من أبرز الملفات التي واجهت العهد الجديد اندماج الأجنحة العسكرية للحركات السياسية في المؤسسات الأمنية الرسمية، أبرزها: جناح حزب المؤتمر الوطني الأفريقي المعروف باسم "رمح الحرية" (Umkhonto we Sizwe – MK) و"جيش تحرير شعب الآزانيان" (Azanian People’s Liberation Army – APLA). وقد تحقق هذا الاندماج بدمج آلاف العناصر من الحركتين في قوات الدفاع الجنوب أفريقية (South African National Defence Force) بحلول صيف 19957.
بدأت عملية إدماج المقاتلين من حركتي Umkhonto we Sizwe (MK) وAzanian People’s Liberation Army (APLA) قبل الانتقال السياسي الرسمي، عبر إنشاء لجنة تنسيقية ضمت الجيش القائم في عهد نظام الفصل العنصري وحركة MK. وكان الهدف من هذه اللجنة وضع الهيكل الجديد للجيش وبناء الثقة بين قيادات الحركة والجيش. وقد اقترنت هذه العملية بوجود وسيط ثالث محايد، تمثل ببريطانيا، لضمان الشرعية الدولية وحيادية الدمج.
ولتأمين الصيغة القانونية للعملية ومنع أي تراجع، نص الدستور المؤقت للبلاد الصادر عام 1993 على الدمج، مع اعتماد سياسة عدم وجود غالب أو مغلوب.
أما على صعيد التنفيذ التقني، فقد تم إعداد قوائم بأسماء المقاتلين المراد دمجهم، وإخضاعهم لتدريبات موحدة لتوحيد مهاراتهم مع عناصر الجيش القائم، ثم منحهم رتبًا مناسبة تتيح تمثيلهم في هيئة أركان الجيش الجديد. وأخيرًا، خضع الجميع للتلقين العقائدي الجديد، الذي يؤكد أن الجيش مسؤول عن الدفاع عن الدولة والدستور، وليس عن حماية فئة معينة على حساب أخرى. 8
النجاح النسبي في حالة جنوب أفريقيا تحقق بفضل وجود إرادة سياسية مشتركة، بناء الثقة بين الفاعلين، صياغة إطار قانوني واضح، وجود وسيط محايد، وتوحيد التدريب والتراتبية العسكرية لضمان ولاء الجيش للدولة والدستور بدل الانتماءات الفئوية.
3- دولة داخل الدولة: العراق وليبيا
تعيش ليبيا منذ مقتل القذافي وإعلان نهاية حكمه الذي امتد لأكثر من أربعين عامًا حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني. فالبلاد منقسمة إلى جزء غربي يضم العاصمة طرابلس وحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا، بالإضافة إلى فصائل عسكرية موالية لها، وجزء شرقي يضم مجلس النواب وقوات ما يُعرف بالجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر9. وقد شهدت ليبيا موجات من الاشتباكات بين الطرفين الرئيسين أو القوى المنسوبة إليهما10، إلى جانب اشتباكات داخلية ضمن كل معسكر، دون أن تؤدي هذه المواجهات إلى خلق ظروف مناسبة للتسوية أو الحل السياسي11.
في عام 2012، أُنشئت في ليبيا اللجنة الأمنية العليا (SSC) ودرع ليبيا (LSF) كأجسام أمنية وعسكرية جديدة لدمج القوى الثورية التي قاتلت الرئيس السابق معمر القذافي في أعقاب ثورة فبراير 2011. لكن الفشل في دمج هذه القوى ضمن مؤسسة عسكرية واحدة، تحتكر القوة بشكل شرعي، أدى إلى نوع من الحرب الأهلية، توقفت في حالة من اللا سلم واللا حرب. وكانت محاولة دمج تلك القوى كفصائل وميليشيات مستقلة تتبع قائدها بدل الدولة أحد أهم أسباب هذا الفشل. كما أن قانون العزل السياسي، الذي جسد سياسة المنتصر والمغلوب، ولّد رد فعل عسكريًا زاد من تعقيد الوضع الأمني، لتكون النتيجة عمليًا دولتان داخل الدولة، ومجموعات مسلحة بعيدة عن توفير الاستقرار في البلاد.
أما في العراق، الذي شهد سنوات من العنف الأهلي ثم حربًا على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فقد تم مأسسة الحالة الفصائلية من خلال الدستور، حيث توجد قوتان رئيسيتان خارج إطار المؤسسة العسكرية التقليدية، وإن كانتا تتبعان للدولة شكليًا، وهما: قوات الحشد الشعبي، التي تشكلت بفتوى دينية من المرجع الشيعي الأعلى في العراق، علي السيستاني، خلال الحرب على داعش12، وقوات البيشمركة الكردية، التي تعود جذور تشكيلها إلى القرن الماضي خلال الحروب بين النظام العراقي والأكراد في شمال العراق.
وجود قوات الحشد الشعبي وقوات البيشمركة كجزء من الإطار الدستوري مكّنها من الاستفادة من موارد الدولة الاقتصادية وتحويل ذلك إلى نفوذ سياسي، خاصة في حالة الحشد الشعبي13، وهو ما تسبب في الصراع بين تلك القوى نفسها. وقد أدى ذلك إلى تآكل سيادة الدولة، بل أصبحت الدولة في خدمة الفصائل والتنظيمات، بعدما كانت الأخيرة في خدمة الدولة14.
فشل أو تعقّد دمج الفواعل المسلحة في حالة ليبيا والعراق كان ناتجًا عن غياب إطار قانوني واضح، وتعدد المراكز العسكرية والسياسية، وغياب إرادة سياسية جامعة، بالإضافة إلى تمكين الفصائل من موارد ونفوذ سياسي مستقل، ما أدى إلى إعادة إنتاج "دول داخل الدولة" وتقويض سيادة المؤسسات المركزية.
4- فشل الاندماج والعودة إلى الحرب: السودان
في السودان، لجأت الدولة في مراحل مختلفة إلى الميليشيات والتنظيمات المسلحة ما دون الدولة، سواء لمواجهة تمردات داخلية أو للقيام بمهام تصنّف عادةً غير شرعية، كحماية مناطق محددة أو تأمين طرق استراتيجية، إلى جانب أداء أدوار أمنية متعددة. واعتُرف رسميًا بهذه القوات تحت مسمى "قوات الدعم السريع" في عام 2013، ولاحقًا أُدرجت ضمن الإطار الدستوري في عام 2017، ما منحها شرعية شكلية داخل الدولة15.
مع مرور الزمن، تحولت قوات الدعم السريع من مجرد ميليشيا ريفية محدودة النفوذ إلى قوة عسكرية واقتصادية بارزة، تمتلك موارد استراتيجية كبيرة مثل مناجم الذهب، مما أعطاها قدرة على المنافسة مع الجيش السوداني نفسه. هذا التمكين أعاد تشكيل العلاقة بين الدولة والفواعل المسلحة، حيث لم يعد هناك فصل واضح بين السلطة الرسمية ونفوذ الميليشيات، ما أدى إلى تصاعد التوترات بين الطرفين. في أبريل 2023، بلغت هذه التوترات ذروتها، واندلعت مواجهة مسلحة مباشرة بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني، ما حول البلاد إلى صراع مستمر حتى اليوم.
إن تجربة السودان تظهر أن الاندماج غير المدروس لقوى ما دون الدولة داخل مؤسسات الدولة يمكن أن يؤدي إلى خلق لاعب مسلح مستقل، يمتلك النفوذ العسكري والاقتصادي والسياسي، ويعيد البلاد إلى دوامة الصراع المستمر، مهددًا استقرار الدولة والمجتمع على حد سواء.
الحالة السورية
بعد اندلاع الثورة السورية، أعلن نظام الأسد الحرب على الشعب السوري المنتفض بمختلف مكوّناته، وتمكّن، بدافع البقاء في السلطة، من تحويل سوريا إلى ساحة صراع بالوكالة، متعمّدًا اختيار خطوط المواجهة ومناطق الانسحاب. وكان من بين تلك المناطق المناطق ذات الأغلبية الكردية في شمال وشمال شرق سوريا. وفي سياق الحرب وما رافقها من فراغ أمني، وهي بيئة ملائمة لنشوء تنظيمات ما دون الدولة، تأسست في صيف عام 2012 وحدات حماية الشعب (YPG) بوصفها الذراع العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الذي تأسس عام 2003.
وفي العام التالي، تأسست وحدات حماية المرأة (YPJ)، بالتزامن مع سيطرة حزب الاتحاد وذراعه العسكرية على معظم المناطق ذات الأغلبية الكردية في شمال سوريا وشرقها، عقب انسحاب قوات النظام من تلك المناطق، باستثناء المربعات الأمنية في مركزي مدينتي القامشلي والحسكة. وقد تحولت هاتان القوتان العسكريتان لاحقًا إلى نواة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، المرتبطة بمشروع سياسي-حوكمي يُعرف بـالإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وهو مشروع يستند إلى نموذج سياسي طوّره زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان خلال فترة اعتقاله في سجن جزيرة إيمرالي التركية16.
استطاعت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، إلى جانب فصائل المعارضة المسلحة بقيادة هيئة تحرير الشام، التي أسقطت نظام الأسد في 8 ديسمبر، البقاء حتى المراحل النهائية من الحرب السورية17. وقد جرى لاحقًا حلّ هيئة تحرير الشام وفصائل المعارضة المسلحة والجيش الوطني، لتشكيل الجيش السوري الجديد، في حين واصلت "قسد" سيطرتها على نحو ثلث مساحة سوريا، متمركزة في منطقة شمال شرق البلاد.
يُبرز هذا الواقع أن ملف دمج “قسد” لا يمكن مقاربته بوصفه إجراءً إداريًا أو عسكريًا تقنيًا فحسب، بل باعتباره عملية مركّبة تندرج ضمن إطار نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR)، والمتلازمة عضويًا مع إصلاح القطاع الأمني (SSR). فنجاح عمليات الدمج في السياقات الخارجة من النزاعات يرتبط، وفق الأدبيات المقارنة، بتوافر شرعية داخلية جامعة، وتوافق سياسي وطني، واحتكار الدولة لاستخدام القوة المسلحة، وهي شروط لم تتبلور بعد بصورة مكتملة في الحالة السورية.
وفي هذا السياق، تواجه عملية إدماج “قسد” معضلات بنيوية، في مقدمتها طبيعة تكوينها كفاعل ما دون الدولة، وارتباطها بشرعية خارجية ناتجة عن دورها الوظيفي ضمن استراتيجية التحالف الدولي لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية، وليس عن تفويض وطني شامل. كما أن عدم تمثيلها للأغلبية السكانية في المناطق التي تسيطر عليها، وغياب مشاركتها المباشرة في إسقاط النظام، يضعفان من قدرتها على التحول السلس إلى مكوّن من مكوّنات مؤسسة عسكرية وطنية موحّدة.
عليه، فإن أي مسار دمج لا يأخذ بعين الاعتبار إعادة هيكلة شاملة للقطاع الأمني، وإعادة تعريف العقيدة العسكرية، وسلاسل القيادة، والولاء المؤسسي، يُخاطر بإعادة إنتاج نماذج هشّة شبيهة بتجارب ليبيا أو العراق أو السودان، حيث أدّى الدمج الشكلي للفصائل المسلحة إلى تقويض سيادة الدولة بدل تعزيزها. ومن ثمّ، فإن مستقبل الاستقرار في سوريا سيبقى مرتبطًا بمدى قدرة الدولة الجديدة على تحويل الفاعلين المسلحين من أدوات قوة موازية إلى مؤسسات خاضعة للسلطة المدنية والقانون، ضمن إطار DDR وSSR متكامل ومتدرّج.
6- التحديات والدوافع الحل في الحالة السورية
1-6- التحديات
تشير التجارب المقارنة إلى أن عمليات إدماج التنظيمات والفاعلين ما دون الدولة في مؤسسات الدولة تواجه عادةً تحديات معقّدة ومتعددة الأبعاد، ولا تشكّل الحالة السورية استثناءً عن هذه القاعدة، لا سيما في ظل تداخل الأبعاد العسكرية والإدارية والسياسية والإقليمية. ويمكن تحديد أبرز هذه التحديات في الحالة السورية على النحو الآتي:
- الاختلاف في تفسير اتفاق 10 آذار: تتبنّى الحكومة السورية تفسيرًا للاتفاق يقوم على دمج عناصر “قسد” كأفراد ضمن الجيش السوري الجديد، وهو النموذج الذي أثبت نجاحه النسبي في تجارب سابقة لعمليات نزع السلاح وإعادة الإدماج (DDR). في المقابل، تسعى قوات سوريا الديمقراطية إلى الاندماج ككتلة عسكرية واحدة، مع الحفاظ على بنيتها التنظيمية وتراتبيتها القيادية الخاصة تحت مظلة وزارة الدفاع، وهو نموذج أثبتت التجارب المقارنة فشله، لما يحمله من مخاطر إعادة إنتاج جيوش موازية داخل الدولة.
- الارتباط العابر للحدود: لا تنبع العقيدة العسكرية ولا القرار الاستراتيجي لقسد من سياق وطني سوري خالص، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعقيدة وأيديولوجيا حزب العمال الكردستاني (PKK). ويُعتقد أن جزءًا من القرار الاستراتيجي يُصاغ خارج الحدود السورية، سواء في جبال قنديل أو عبر كوادر حزبية (الكادرو) فاعلة داخل سوريا. ويُضفي هذا الارتباط بُعدًا إقليميًا معقّدًا على عملية الدمج، خاصة في ظل الصراع المفتوح بين تركيا وحزب العمال الكردستاني، ما قد يُعيق أي تفاهم مستقر بين “قسد” والحكومة السورية. كما لا يمكن إغفال احتمالية توظيف “قسد” كورقة ضغط إقليمية في صراعات أوسع، الأمر الذي ينعكس سلبًا على مسار المفاوضات ويقوّض فرص الاندماج.
- أزمة الثقة: يُعدّ انعدام الثقة سمة طبيعية في المجتمعات الخارجة من النزاعات المسلحة. وفي الحالة السورية، تتفاقم هذه الأزمة بفعل التناقض الأيديولوجي بين نواة “قسد” ونواة السلطة السورية الجديدة، فضلًا عن أن “قسد” وبعض التشكيلات التي باتت جزءًا من الجيش السوري الجديد خاضت مواجهات عسكرية متكررة خلال سنوات الحرب. ورغم أن تلك الاشتباكات كانت في معظمها نتاج اعتبارات إقليمية أكثر منها صراعًا داخليًا مباشرًا، فإنها تركت أثرًا سلبيًا عميقًا على مستوى الثقة المتبادلة.
2-6- الدوافع
في مقابل هذه التحديات، توجد عوامل تدفع الطرفين إلى الاستمرار في مسار تفاوضي، رغم تعقيده وطول أمده، تفاديًا لأسوأ السيناريوهات، المتمثل في الانزلاق إلى حرب شاملة ستكون كلفتها الإنسانية والسياسية باهظة، لا سيما على المدنيين والنسيج الاجتماعي السوري. ويمكن تحديد دافعين رئيسيين لدى كل طرف:
- تجنّب الحرب (دافع الحكومة السورية): يمثّل تجنّب المواجهة العسكرية الدافع الأبرز للحكومة السورية، التي تسعى منذ سقوط النظام إلى تركيز جهودها على إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإطلاق مسار الإعمار والتنمية الاقتصادية، مدفوعة بانفتاح إقليمي ودولي تدريجي ورفع جزئي للعقوبات. وقد أظهرت أحداث الساحل والسويداء أن الدخول في اشتباكات جديدة سيكون مكلفًا سياسيًا وأمنيًا، وهو ما انعكس في سياسة الاحتواء التي انتهجتها الحكومة تجاه المناوشات المحدودة على خطوط التماس، سواء على نهر الفرات أو في مدينة حلب.
- الحفاظ على المكاسب القائمة (دافع قسد): حققت “قسد” مكاسب سياسية وعسكرية كبيرة من خلال تحالفها مع الولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ما جعلها فاعلًا رئيسيًا في سوريا ما بعد الأسد. غير أن المطالبة بالحفاظ على الوضع القائم بوصفه شرطًا للاندماج تمثّل السقف الأقصى لمطالبها، وهو ما سيُقابل برفض دمشق، فضلًا عن رفض تركي صريح، إذ تعتبر أنقرة البنية الحالية لـ“قسد” تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. وبالتالي، فإن خيار الحرب الشاملة يُعدّ مقامرة عالية المخاطر قد تؤدي إلى خسارة ما كان يمكن الحفاظ عليه عبر تسوية تفاوضية.
7- التوصيات
تُظهر التجارب المقارنة أن نجاح أي عملية إدماج لفاعل ما دون الدولة يعتمد على الثقة، والإرادة السياسية، والمسار القانوني، والبيئة الإقليمية. وبناءً عليه، ومع أخذ خصوصية الحالة السورية بعين الاعتبار، يمكن تقديم التوصيات التالية بوصفها إطارًا عامًا لعملية الدمج، بعيدًا عن سيناريو الحسم العسكري:
بناء الثقة
تمثّل الثقة حجر الأساس لأي مسار دمج ناجح، ويمكن تعزيزها عبر إجراءات عملية، من أبرزها:
- انسحاب “قسد” الكامل من ما تبقى من محافظة دير الزور، مع إبقاء الأمن الداخلي بيد أبناء المنطقة، ودخول وحدات من الجيش السوري وقوى الأمن الداخلي.
- اعتراف رسمي من الدولة السورية بدور “قسد” في محاربة تنظيم داعش.
- إزالة المظاهر العسكرية كليًا من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب.
- تسليم مطار القامشلي للهيئة العامة للطيران المدني، وفتح دوائر الهجرة والجوازات والأحوال المدنية في الحسكة والرقة.
- رفع جميع القيود على تنقل المدنيين بين مناطق السيطرة المختلفة.
- الشروع بإعادة المهجّرين إلى مناطقهم، بما فيها عفرين، مع ضمان الحقوق وجبر الضرر.
- وقف الحملات الإعلامية التحريضية المتبادلة.
التنظيم الإداري والمسألة الكردية (المسار السياسي)
يتطلّب الاتفاق مع “قسد” معالجة واضحة للمسألة الكردية والتنظيم الإداري، عبر:
- استحداث محافظة جديدة في شمال شرق سوريا.
- اعتماد العربية والكردية كلغة رسمية في سوريا.
- تنظيم المعابر الحدودية مع تركيا والعراق.
- تخصيص نسبة دستورية من موارد المحافظة للتنمية والبنية التحتية.
الاندماج العسكري (المسار الفني)
يتضمن:
- تقسيم قوات “قسد” إلى فرقتين عسكريتين وفق الانتماء الجغرافي.
- إخضاع الفرقتين لهيئة الأركان ووزارة الدفاع.
- تحويل القوات النسائية و“الأسايش” إلى مهام الأمن الداخلي.
- تسليم الحكومة إدارة جميع المعابر الحدودية.
الإطار الدستوري والتشريعي
تعديل الإعلان الدستوري بما يضمن تنفيذ عملية الدمج، وتكريس شكل الإدارة المتفق عليه في الدستور الدائم.
الوسيط
وجود وسيط موثوق يسهم في إنجاح العملية، ويمكن للولايات المتحدة لعب هذا الدور بحكم علاقتها بالطرفين ومصلحتها في استقرار سوريا.
خاتمة
يشكّل اتفاق 10 آذار/مارس 2025 بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي نقطة انعطاف مفصلية في المرحلة الانتقالية السورية، إذ يتيح فرصة تاريخية لدمج أحد أبرز الفاعلين ما دون الدولة في مؤسسات الدولة الوطنية، وإعادة ترتيب البنية الأمنية والعسكرية في شمال وشرق البلاد بعد سنوات من النزاع المسلّح والفوضى الأمنية.
تتفاقم التحديات بسبب ارتباط “قسد” بعقيدة حزب العمال الكردستاني خارج سوريا، ومحاولاتها إقامة تحالفات مع قوات انفصالية، ما يضيف بُعدًا إقليميًا ويجعل احتمال توظيفها كورقة ضغط واردًا، إلى جانب تفاقم أزمة الثقة مع الحكومة السورية نتيجة الاشتباكات السابقة، رغم طابعها الإقليمي أكثر من كونه نزاعًا داخليًا مباشرًا. ومع اقتراب انتهاء المهلة المحددة للاتفاق خلال أيام، يزداد احتمال الاحتكاك المباشر بين الطرفين، بما قد يؤدي إلى صدام مسلّح يهدد استقرار البلاد.
في هذا السياق، يظل المسار التفاوضي السريع والمستند إلى بناء الثقة، وضمان الأطر القانونية والدستورية، وإشراك وساطة دولية حيادية، خيارًا استراتيجيًا أقل كلفة وأكثر جدوى من أي خيار عسكري. فهو يوفر فرصة لتقليل الانزلاق إلى العنف، ويتيح إعادة هيكلة القطاع الأمني والعسكري بصورة تدريجية ومستدامة، بما يحافظ على شرعية الدولة ويقلّص فرص نشوء دوّامات العنف أو تنظيمات موازية مستقبلًا.
أما في حال اللجوء إلى الخيار العسكري، الذي يبدو الاحتمال الأكثر ترجيحًا في ظل تعثر المفاوضات، فإن المخاطر تبقى جسيمة. فالجيش السوري ما زال حديث التأسيس ويفتقد للاكتمال العملياتي والتنظيمي، ما يزيد من احتمالية استخدام القوة بشكل غير منضبط، كما شهدت البلاد سابقًا في السويداء والساحل. هذا الاستخدام العشوائي للقوة قد يؤدي إلى نتائج غير متوقعة، ويهدد وحدة الدولة وقدرتها على التحكم في مسار العمليات العسكرية. كما أن “قسد” تمتلك عناصر مدربة ومدعومة دوليًا، مما يزيد من تعقيد أي مواجهة عسكرية ويجعل السيطرة على تداعياتها أمرًا بالغ الصعوبة، بما يتجاوز الميدان العسكري إلى أبعاد سياسية وأمنية أوسع.
الأيام الحاسمة المتبقية تتطلب تحركًا سريعًا ومدروسًا من قبل الحكومة السورية و”قسد“، مدعومًا بوساطة دولية فعّالة، لتفادي أي انزلاق نحو التصعيد العسكري وضمان تحقيق هدف الدمج بطريقة متكاملة ومستدامة.


