1. مقدمة
بعد سيطرة قوات المعارضة السورية على مدينة حلب في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، في سياق العمليات العسكرية المعروفة بـ"ردع العدوان" والتي أفضت إلى انهيار نظام الأسد في سوريا، شهدت المدينة توترات أمنية متكررة ارتبطت بوجود تشكيلات عسكرية تابعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية. أسفرت هذه التوترات عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين والعسكريين، لتبلغ ذروتها بتصعيد عسكري وقع في 6 كانون الثاني/يناير 2026.جاء هذا التصعيد في سياق تعثّر تنفيذ اتفاق "10 آذار" وتبادل الاتهامات بشأن الخروقات في مدينة حلب بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية. وفي ظل تدهور الوضع الأمني أعلن الجيش السوري تنفيذ عملية عسكرية محدودة. في المقابل أعلنت قوات سوريا الديمقراطية أن العملية العسكرية التي نُفذت ضد الحيّين تمثّل، خرقًا للاتفاقات القائمة، واعتبرتها استهدافًا مباشرًا لمناطق ذات غالبية كردية، محذّرة من تداعياتها الإنسانية والأمنية، خاصّةً على السكان المدنيين1.
شهدت مدينة حلب توترات أمنية متكررة ارتبطت بوجود تشكيلات عسكرية تابعة لقوات سوريا الديمقراطية.
بحسب التقديرات المعلنة، أسفر التصعيد عن نحو 20 قتيلاً وأكثر من 70 جريحاً، قبل أن تعلن وزارة الدفاع السورية في 10 كانون الثاني/يناير 2026 سيطرتها الكاملة على حيي الأشرفية والشيخ مقصود، وخروج مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية إلى شرق الفرات بأسلحتهم الفردية2.
تتناول هذه الإحاطة تداعيات العملية على الحالة الأمنية والعلاقة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية في المرحلة اللاحقة.
2. خلفية تاريخية للصراع في الحي
يتمتع حيّا الشيخ مقصود والأشرفية بأهمية عسكرية نابعة من موقعهما في مدينة حلب، إذ يتمركز حي الشيخ مقصود في الأحياء الشمالية على تلة مرتفعة تمنحه قدرة إشراف ورصد وتأثير ناري واسع على أجزاء كبيرة من المدينة، بما يجعله نقطة حاكمة في معادلة السيطرة والضغط الأمني. كما يطل الحي على مواقع حيوية، منها منطقة الليرمون الصناعية وحي السكن الشبابي. أمّا بالنسبة إلى حيّ الأشرفية، فيقع غرب حي الشيخ مقصود، ويتصل جغرافيًا بمجموعة أحياء محيطة، من بينها حي السريان جنوبًا، وامتداد الهلك وبستان الباشا شرقًا، مع الإشراف غربًا على محيط دوار الشيحان3.
يُعدّ الحي من أكبر أحياء مدينة حلب، إذ تُقدّر مساحته بنحو أربعة آلاف متر مربع، ويقطنه ما يقارب 200 ألف نسمة، غالبيّتهم من السكان الأكراد، إلى جانب نسبة من السكان العرب. ومن الناحية التاريخية، لم يكن حيّا الأشرفية والشيخ مقصود يُصنّفان كمناطق ذات أغلبية كردية، بل كانا في الأصل حيّين ذَوَا طابع مسيحي، سكنهما أرمن وسريان، وكانا يُعرفان باسم "جبل السيدة"4.
مع منتصف القرن العشرين، شهدت حلب تحولات ديموغرافية ملحوظة، تمثّلت باستقرار مجموعات سكّانية كردية فيها، قدمت من مناطق عفرين وعين العرب (أو كوباني)، بحثًا عن فرص معيشية أفضل5. ولقد أسهمت هذه التحولات بتشكيل البيئة الاجتماعية والسياسية لحيَّي الأشرفية والشيخ مقصود، إذ كان للخلفية الاجتماعية والسياسية التي جاءت منها الأهالي أثرٌ في تنامي التيارات اليسارية ضمن الحركة السياسية الكردية، ولا سيما تلك المرتبطة بحزب العمال الكردستاني.
تميز حيّا الشيخ مقصود والأشرفية بأهمية عسكرية نابعة من موقعهما في مدينة حلب.
بعد تسليم السلطات السورية في عهد النظام السياسي السابق عبد الله أوجلان، زعيم حزب العمال الكردستاني إلى تركيا، اصطدم الأكراد بالأجهزة الأمنية في حينه ضمن ما عُرف بأحداث القامشلي في عام 2004، وامتدّت لتشمل كافّة أماكن تواجدهم ومن بينها حيّا الشيخ مقصود والأشرفية6.
ومع انطلاق الثورة السورية عام 2011، سعى النظام السوري السابق إلى تحييد المناطق ذات الغالبية الكردية عن مسار الانتفاضة والحراك الشعبي، ما دفع الأكراد إلى إعادة التنسيق مع حزب العمال الكردستاني وفروعه المحلية، إذ تم نقل إدارة عدد من المناطق الكردية إلى قوى مرتبطة به، بما في ذلك حيا الشيخ مقصود والأشرفية7.
في عام 2016، شاركت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) إلى جانب قوات النظام السوري السابق وحلفائه في عملية حصار مدينة حلب، وأسهمت التشكيلات الكردية في تشديده من خلال السيطرة النارية على طريق الكاستيلو، إضافة إلى التقدم في منطقتيْ السكن الشبابي وبني زيد، ما أثّر بصورة مباشر على خطوط الإمداد العسكرية والإنسانية للمدينة8.
وفي عام 29-12-2024، سيطرت "إدارة العمليات العسكرية" خلال قيادتها لمعركة ردع العدوان على مدينة حلب، فيما بقيت المناطق سالفة الذكر تحت سيطرة قوات تابعة لقسد فلم تتقدم باتجاهها. وعقب سقوط النظام السياسي السابق، استمرت قوات قسد في شن عمليات استهداف بالقنص، أو بالقتل المباشر، طالت مدنيين وعسكريين في محيط الحيين وبالأخص في طريق الليرمون شمالاً. وعلى الرغم من اتفاق عقدته الحكومة السورية مع المجلس المدني لحيي الشيخ مقصود والأشرفية في 1 أبريل/نيسان 2025، إلا أن السلوك الميداني لقسد لم ينضبط، واستمر تسجيل الخروقات المختلفة للاتفاق، ونتيجة لذلك جاءت العملية العسكرية الأخيرة التي أفضت إلى سيطرة الحكومة على كامل مدينة حلب9.
3. طبيعة ومسار اتفاق 1 نيسان
أُبرم اتفاق 1 نيسان/أبريل 2025 عقب خروقات متكررة وتصعيد عسكري بين اللجنة الأمنية المكلفة من رئاسة الجمهورية السورية من جهة، والمجلس المدني لحيي الأشرفية والشيخ مقصود بوصفه ممثلًا لقسد من جهة أخرى. وتضمّن الاتفاق أربعة عشر بندًا، إلا أن قسد ماطلت في تنفيذ معظم بنوده10. إذ لم يُنفّذ خلال تسعة أشهر سوى بندين، يتعلقان بانسحاب القوات العسكرية التابعة لقسد، والإفراج الجزئي عن سجناء لديها، وتبين لاحقًا أن هذين الشرطين لم تنفذهما بالشكل المطلوب11.
في المقابل، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، الانتهاكات التي قامت بها القوات التابعة لقسد، في ارتكاب خروقات عبر قنص المدنيين واستهداف المارة في الأحياء المحيطة، إضافة إلى استهداف أحياء ومراكز حيوية داخل مدينة حلب، ليتحول الحيان إلى ورقة ضغط أمني بيد قسد تحركها في الأوقات التي تريدها وهو ما أثر بشكل مباشر على الاستقرار الأمني في المدينة ككل12.
أُبرم اتفاق 1 نيسان/أبريل 2025 عقب خروقات متكررة وتصعيد عسكري بين اللجنة الأمنية السورية والمجلس المدني لقسد.
4. آليات السيطرة على حيي الشيخ مقصود والأشرفية
برز دور أجهزة الحكومة السورية كافة بما فيها الوحدات العسكرية والأمنية في العمليات العسكرية والإجراءات الأمنية والإدارية المرتبطة بحماية المدنيين وإدارة الإخلاء. حيث بادرت وزارة الدفاع إلى فرض طوق عسكري حول الحيين، مع فتح معابر إنسانية لخروج المدنيين. كما أُسندت للاستخبارات العسكرية أدوار تتعلق بتحديد المواقع الحساسة، وتثبيت نقاط المعابر الإنسانية، وتنسيق التواصل مع القوات المتحصنة داخل حي الشيخ مقصود بعد تحرير بقية الأحياء في اليوم الأول للعملية، إضافة إلى تقديم خرائط إرشادية للوحدات المقاتلة وتحديد مواقع الاستهداف، ورصد مسارات التحصّن والتسلل لعناصر قسد13.
بمُوازاة ذلك، شاركت قوى وزارة الداخلية بوصفها طوقًا ثانيًا داعمًا للطوق العسكري. شملت قوى الأمن الداخلي والشرطة العسكرية التابعة لوزارة الدفاع، وتولت هذه التشكيلات مهام ضبط العقد الطرقية داخل الحيّين، وتأمين استمرار خروج المدنيين ومنع حدوث تجاوزات في ظل استمرار الأعمال العسكرية. حيث تكون المهمة الدقيقة لقوى الأمن الداخلي، الحفاظ على عدم حدوث خروقات أو فوضى من المدنيين، بينما تركز عمل الشرطة العسكرية على مراقبة ومتابعة انضباط التشكيلات الأمنية والعسكرية، لمنع حدوث أي عملية انتهاك من الممكن أن تحدث14.
5. التفاعل الدولي والإقليمي مع العملية العسكرية
جاء تصعيد قوات قسد، في ظلّ مناخ دولي داعم لتوجهات الحكومة السورية، ومتزامن مع مخرجات محادثات باريس مع إسرائيل في 6 يناير/ كانون الثاني 2026، المتعلقة بترتيبات تخص الجنوب السوري. كما أتى التصعيد ضمن سياق توقيع اتفاقية بين سوريا ومصر لتوريد النفط والغاز في الخامس من الشهر ذاته. وقد دفعت هذه الظروف قسد إلى تبني خيار التصعيد بهدف الضغط على الحكومة السورية لعقد تسوية ما، خلاف ما حدث عقب تصعيدات سابقة مماثلة15.
وقد تفاعلت عدة دول إقليمية ودولية، مع أحداث العملية العسكرية. ففيما يخص الولايات المتحدة الأميركية، بدا أن موقفها يتجه نحو إنهاء ملف قسد في حلب مع التوجه نحو تنفيذ اتفاق "10 آذار"، وأن تفاعلها مع التطورات يعكس وجود تفاهمات سورية–تركية–أمريكية حول استقرار مدينة حلب عبر سيطرة الحكومة عليها، مع استمرار تمسك أميركي بمسار الاتفاق مع قسد وهو ما أكده بيان المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس بارّاك يوم الخميس16.
تفاعل المبعوث الأميركي إلى سوريا مع التطورات يعكس وجود تفاهمات سورية–تركية–أمريكية حول استقرار مدينة حلب.
أما تركيا، فاعتبرت أي وجود لفاعلين من خارج الدولة السورية الجديدة تهديدًا لأمنها القومي، وأيّدت هدف العملية العسكرية، مع الإشارة إلى أن القوات التركية لم تشارك ميدانيًا واقتصر دورها على الدعم الدبلوماسي والتنسيق الأمني.
أما الأردن، فأكد دعمه لمسار السلام في سوريا، والذي يتضمن معالجة ملفات السويداء وقسد، ضمن بيان مشترك مع المبعوث الخاص للولايات المتحدة إلى سوريا يوم السبت 10 كانون الثاني/ يناير 202617.
6. سيناريوهات مفتوحة ترسم العلاقة بين الدولة وقسد
يعزز موقع الحكومة السورية بعد السيطرة على مدينة حلب ككل وإخراج مقاتلي قسد منها، وذلك على المستويين السياسي والمعنوي في سياق تعاملها مع قسد، وقد يفضي هذا التطور إلى ارتدادات في المدى القريب، إذا ما سعت قسد إلى استعادة توازنها المعنوي وتخفيف الضغط عليها داخل بيئتها الحاضنة، ولا سيما لدى من يعتقدون أنها لم تساند المجموعات التي كانت تتمركز في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية. في هذا الإطار، يُحتمل أن تتخذ الارتدادات شكل تصعيد محدود في مناطق الاحتكاك مع الحكومة السورية، مع ترجيح أن تتركز بؤر هذا التصعيد في منطقة دير حافر بريف حلب الشرقي، وعلى سرير نهر الفرات في مدينة دير الزور.
وفي مسارٍ موازٍ، قد تنعكس العملية على نهج قسد وإستراتيجيتها في إدارة العلاقة مع الحكومة السورية، بحيث تنتقل من توظيف أدوات التفاوض والضغط في الميدان السياسي إلى تفعيل أدوات الضغط في الميدان الأمني. ويقوم هذا المسار على دفع مواجهة من نمط "استنزاف أمني" داخل مناطق خاضعة لسيادة الحكومة، عبر إجراءات تُربك الأمن والاستقرار وتستهدف البيئة الحضرية والخدمية، بما يخلق كلفة داخلية مستمرة ويعيد تشكيل قواعد الاشتباك بعيداً عن خطوط التماس التقليدية.
أما السيناريو الثالث، فيقوم على احتمال تعزيز خيار قسد بدعم جهات فاعلة مناوئة للحكومة السورية، سواء عبر التلاقي معها أو تسهيل نشاطها، بوصف ذلك أداة لتقويض قدرة الدولة على التركيز وتثبيت الاستقرار. وبالتالي، قد يأخذ هذا المسار شكل تنشيط الدعم لجهات مثل الفلول في الساحل وقوات الحرس الوطني في السويداء، باعتباره خيارًا أكثر إرباكًا على المستويين الداخلي والخارجي للحكومة السورية، عبر توسيع نطاق الانشغال الأمني وتعدد مسارح الضغط في وقت واحد.
ومن المحتمل أيضًا، في سيناريو آخر، أن تتوصل الحكومة السورية إلى تحديث اتفاقية 10 آذار، أو تمديد حدودها الزمنية، لتظل بمثابة مسار مستمر للتفاوض، اتساقًا مع دعوة المبعوث الأمريكي إلى سوريا، عقب لقائه مع رئيس الحكومة السورية، ودعوة الطرفين إلى ضبط النفس، والعودة إلى الحوار بموجب اتفاقية العاشر من آذار18.
يعزز موقع الحكومة السورية بعد السيطرة على مدينة حلب ككل وإخراج مقاتلي قسد منها على المستويين السياسي والمعنوي.
7. الخاتمة
من الطبيعي أن يكون لهذه العملية انعكاسات محتملة على اتفاق "العاشر من آذار" بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وعلى طبيعة العلاقة بين الطرفين عمومًا. كما تشير إلى أن التطورات لم تُحسم بصورة نهائية بعد، خاصة أن قسد لم تكتف بالمماطلة في تنفيذ الاتفاق، بل ذهبت بعيدُا باستمرار خلق توترٍ عسكريّ وأمني عبر استهدافها لمدينة حلب بطائرات مسيرة إيرانية الصنع من جبهة دير حافر بريف حلب الشرقي، وعليه فإن مسار الأحداث قد يؤدي إلى تجدد التوتر أو انتقاله إلى مناطق أخرى إذا لم تُستكمل ترتيبات الضبط الأمني والتفاهمات السياسية ذات الصلة.

