أقيمت يوم 24 فبراير 2026 ندوة حوارية في باريس بمناسبة الذكرى الرابعة للغزو الروسي لأوكرانيا. الندوة نظمتها Le Grand Continent وهدفت إلى استخلاص دروس الحرب وتأثيرها على الإستراتيجية العسكرية الأوروبية، تحولات الاتحاد الأوروبي، وقوة الديمقراطيات في مواجهة صراعات مستقبلية.
تمحورت الأسئلة الأساسية حول: ما إذا كانت حرب أوكرانيا تُمثّل نموذجاً للصراعات القادمة، وما إذا كانت المؤسسات الغربية مستعدة للتعامل مع المعطيات الجديدة. كما تناولت الندوة استهداف البنى التحتية الحيوية (خاصة شبكات الطاقة) كإستراتيجية لإضعاف قدرة السكان على الصمود خلال الشتاء، وما يترتب على ذلك من تحديات إنسانية. كما شددت على أهمية توثيق الجرائم وضرورة مساءلة مرتكبي الانتهاكات كشرط لأي تسوية سلمية مستدامة.
تلخيصاً للدروس التي ينبغي للسياسة الأوروبية أن تستخلصها فقد تم التأكيد على: الحاجة إلى تعزيز قدرة الردع، إعادة التفكير في سلاسل الإمداد، والاستثمار في قدرات مدنية وعسكرية متكاملة داخل الاتحاد الأوروبي.
شارك في الندوة باحثون وعدد من الأساتذة والمحاضرين في عدة جامعات أوروبية بالإضافة لـ "سيلفان كان" أستاذ مشارك في معهد العلوم السياسية (Sciences Po)، مؤلف كتاب "أوروبا، دولة غافلة عن ذاتها"، واللواء "إيفان مارتن" رئيس قسم الاستشراف والإستراتيجية والتوجيه في هيئة الأركان المشتركة.
شاركت أيضاً "إلسا فيدال" رئيسة تحرير القسم الروسي في إذاعة فرنسا الدولية ومؤلفة كتاب "ماذا يفكر الروس؟". ضيفة الندوة "أولكسندرا ماتفييتشوك" ناشطة حقوق إنسان، محامية أوكرانية وحائزة على جائزة نوبل للسلام.
تحولات مفهوم الحرب
تناول المتحدثون تحولات مفهوم الحرب، وكان الطرح بأن النقطة المفصلية في هذا الصراع ليست الدرون وحدها، بل هي البيانات، إنتاجها، التقاطها، تحليلها، ونشرها في الوقت الفعلي، حتى أننا انتقلنا من مرحلة الدرون كأداة تؤدي مهمة محددة إلى الدرون كمبدأ تنظيمي لوحدات عسكرية كاملة.
تم الحديث حول دور الذكاء الاصطناعي في هذه الحرب كمضاعف للقوة وليس كبديل للأساليب التقليدية. ومع ذلك، فقد أكد المتحدثون على مركزية دور الجندي، إذ يظل جندي المشاة بحذائه وبندقيته هو العنصر الأهم والأبرز في هذه الحرب رغم كل التطور التقني.
"النقطة المفصلية في هذا الصراع ليست الدرون وحدها، بل هي البيانات، إنتاجها، التقاطها، تحليلها، ونشرها في الوقت الفعلي."
في الحديث عن دور القطاع الخاص أقر المتحدثون على أننا نشهد تحولاً كبيراً في هذا الإطار، حيث أصبح عمالقة التكنولوجيا (مثل بالانتير ومايكروسوفت) فاعلين أساسيين ومهندسين لأنظمة المعلومات الدفاعية.
وصف المشاركون الحرب في أوكرانيا بأنها "مختبر لحروب المستقبل"، تماماً كما كانت الحرب الأهلية الإسبانية مختبراً للحرب العالمية الثانية. وأن السلاح النووي يظل حاضراً كخلفية مهيكلة لموازين القوى الدولية، حتى وإن لم يُستخدم.
السياسة والعقيدة الروسية
في حديثهم عن السياسة والعقيدة الروسية تطرق المتحدثون إلى أننا لا نتعامل مع أيديولوجيا حقيقية، بل مع سياسة قوة، وسياسة فساد وتغطية للجرائم، تستخدم الأيديولوجيا كمجرد ستار لتبرير القرارات مع وجود فقر فكري في النخبة الروسية؛ فبدلاً من إنتاج أفكار سياسية جديدة، نراهم يجترون أفكار القرن التاسع عشر. ويتضح ذلك من خلال التناقض السحيق بين خطاب المسؤولين الروس عن "القيم الأخلاقية الرفيعة" وبين واقع الجثث المنتهكة والمستشفيات المقصوفة والتعذيب بالصدمات الكهربائية.
"نحن لا نتعامل مع أيديولوجيا حقيقية، بل مع سياسة قوة، وسياسة فساد وتغطية للجرائم."
وصف المتحدثون واقع الاحتلال في المناطق الأوكرانية أنه ككل احتلال، بما يعني إعادة تشكيل كل جزء من الأرض المحتلة على صورة المحتل، وفرض نمط حياة جديد على السكان قسراً. وأن هذه المناطق هي 'منطقة لا قانون' بدرجة قصوى. ومن منطلق إنساني: "يجب التفكير في الحرب والاحتلال بشكل ملموس؛ فهي ليست مجرد مساحات ملونة على خريطة، بل بشر من لحم ودم يعيشون تحت هذا الضغط".
تمت الإشادة بتعلم الأوكرانيين وتطويرهم أسلحة فعالة ومنخفضة التكلفة في قلب الصراع، حيث إن الحرب هي مسرع استثنائي للممارسات وعنصر تعلم. والهدف من دراستها وتحليلها هو "التفكير في الحرب لكي لا نستسلم لها" ولكي لا نقع في فخ الأنظمة السلطوية، لأن الحرية ليست مجرد قيمة، بل هي عامل بقاء.
المقاومة والمواطنة في أوكرانيا
تم الحديث عن المقاومة والمواطنة في أوكرانيا كونها التزام قوي وقوة هائلة في آن واحد، وكذلك عن دور المدنيين الذين استعادوا دورهم في الدفاع عن دولتهم. وأن المجتمع يقاوم بالموارد التي يمتلكها، وأهمها كيفية رؤية المواطنين لأنفسهم ولدورهم في صنع 'المصير المشترك'. فالمقاومة الأوكرانية ليست مجرد علاقة عمودية من الدولة للمواطن، بل هي عقد متبادل؛ المواطن يضحي والدولة يجب أن تحترم الحقوق والعدالة الاجتماعية.
كلمة أولكسندرا ماتفييتشوك
ألقت المحامية الأوكرانية والمدافعة عن حقوق الإنسان الحائزة على جائزة نوبل للسلام "أولكسندرا ماتفييتشوك" كلمة مؤثرة تضمنت شهادات عن جرائم روسية ارتكبت في أوكرانيا، ومنها قصة الطفل "إيليا" الذي ماتت أمه وتجمدت بين ذراعيه، وعن المقاومة المدنية كقصة المعلمة في كييف وكيف تحول إعطاء درس تعليمي في البرد القارس إلى عمل من أعمال المقاومة، وقصة البروفيسور كوزلوفسكي الذي كان يلقي محاضرات في الفلسفة للجرذان في زنزانته الانفرادية فقط ليسمع صوت إنسان.
وعلّقت قائلة: "لقد أصبح جلياً أن الأشخاص العاديين الذين يقاتلون من أجل حريتهم وكرامتهم الإنسانية، هم أقوى حتى من ثاني أقوى جيش في العالم .. الأشخاص العاديون يمكنهم القيام بأشياء استثنائية".
"الأشخاص العاديون الذين يقاتلون من أجل حريتهم وكرامتهم الإنسانية، هم أقوى حتى من ثاني أقوى جيش في العالم."
من الجدير بالذكر قولها كمحامية: "أنا الآن في وضع لا يعمل فيه القانون .. عندما لا يمكنك الاعتماد على الأدوات القانونية، ولا على النظام الدولي للسلام والأمن، لا يزال بإمكانك الاعتماد على الناس .. يحاول بوتين إقناع العالم بأسره بأن سيادة القانون هي خدعة، وأن القوة الغاشمة هي فقط ما يهم.. وأن النظام العالمي القائم على ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي قد انهار".
برأي "أولكسندرا ماتفييتشوك" أن "كل هذا الجحيم الذي نواجهه في أوكرانيا هو نتيجة للإفلات التام من العقاب الذي تتمتع به روسيا منذ عقود .. هذه الحرب ليست مجرد حرب بين دولتين، بل هي حرب بين نظامين: الاستبداد والديمقراطية".
وعن قيمة الحرية والكرامة الإنسانية ترى "أولكسندرا ماتفييتشوك" أن الكرامة هي التي تمنحنا القوة والشجاعة لمواصلة كفاحنا حتى في الظروف التي لا تطاق. ولأن الحرية هشة للغاية؛ لا يمكننا نيل حريتنا مرة واحدة وإلى الأبد، بل نحن نصنع اختيارنا الخاص كل يوم. بالنسبة لنا، الحرية ليست مجرد قيمة لتقرير المصير، بل هي قيمة للبقاء على قيد الحياة.
أما عن الدرس الأول من هذه الحرب من وجهة نظرها فهو: "إن الشر الذي لا يلقى عقاباً ينمو ويتعاظم."
"إن الشر الذي لا يلقى عقاباً ينمو ويتعاظم."


