استضاف المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (IFRI) جلسة حوارية مع وزير الخارجية النرويجي إسبن بارث إيدي، حضرها ممثل عن "مسداد" يوم الاثنين 13 أبريل 2026 في باريس.
تناولت الجلسة أبرز التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم اليوم، والدور الذي يمكن أن تؤديه أوروبا والنرويج في مواجهة هذا المشهد المتسارع التغيّر. وجاءت الكلمة في سياق دولي مضطرب، لتقدّم قراءة سياسية وإستراتيجية واسعة للقضايا الأكثر إلحاحًا، من الحرب في أوكرانيا والشرق الأوسط، إلى مستقبل النظام الدولي والقطب الشمالي وأمن الطاقة والمناخ.
في مستهل حديثه، شدد الوزير على أن العالم يمرّ بمرحلة بالغة الحساسية، واصفًا ما يجري بأنه حالة من التغيير العميق الذي يعيد تشكيل أسس النظام الدولي. وأوضح أن هذه المرحلة قد تبدو اليوم فوضوية وغير مستقرة، لكن نتائجها ستظهر بوضوح في السنوات المقبلة. كما أشار إلى أن ما نعيشه قد يكون بداية تحول تاريخي كبير، حتى لو لم تتضح كل ملامحه بعد.
وتوقف الوزير عند مسألة النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، معتبرًا أن الدور الأمريكي الذي شكّل ضمانة أساسية للأمن والاستقرار في أوروبا لم يعد كما كان. وقال بوضوح إن “عهد السلام الأمريكي قد انتهى”، في إشارة إلى أن مرحلة التفوق الأمريكي التي استند إليها الغرب لعقود قد انتهت أو لم تعد قابلة للاستمرار بالشكل السابق. ومن هنا، دعا إلى أن تتحمل أوروبا مسؤوليات أكبر، وأن تطور قدراتها الدفاعية والسياسية والاقتصادية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التعددية والمؤسسات الدولية القائمة.
“عهد السلام الأمريكي قد انتهى”
وفي تناوله للحرب في الشرق الأوسط، أكد الوزير أن آثار الصراع تتجاوز حدود المنطقة لتصل إلى الاقتصاد العالمي بأسره. واعتبر أن هذه الحرب تحمل تبعات جيو-اقتصادية هائلة، تشمل الطاقة والتجارة والمواد الأساسية وسلاسل الإمداد. وأوضح أن اضطراب الأوضاع في المنطقة يؤثر في الأسواق العالمية بشكل مباشر، وأن دولًا كثيرة، حتى البعيدة جغرافيًا عن منطقة النزاع، بدأت تشعر بانعكاسات هذا التوتر على أسعار الطاقة والمواد الأولية والسلع الحيوية.
كما تحدث الوزير عن لبنان باعتباره جزءًا أساسيًا من أي تسوية أوسع في الشرق الأوسط، وليس ملفًا جانبيًا. وأكد أن وقف التصعيد لا يمكن أن يكون كاملًا من دون شمول لبنان. ورابط بين الاستقرار في لبنان وبين إمكان الوصول إلى حل أوسع ومستدام، وقال إن الوصول إلى نتيجة مستقرة في ملف إيران غير مرجحة دون معالجة الوضع اللبناني. بمعنى آخر، كان يرى أن تهدئة المنطقة لا يمكن أن تنجح إذا بقي لبنان خارج المعادلة.
أما بشأن الحرب في أوكرانيا، فقد قدّم الوزير موقفًا حازمًا، معتبرًا أن هذا الصراع لا يهدد أوكرانيا وحدها، بل الأمن الأوروبي بأكمله. وقال إن طريقة إنهاء الحرب ستحدد معالم المرحلة اللاحقة في أوروبا. ووفقًا لهذا المنظور، فإن دعم أوكرانيا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا لا يعبّر فقط عن التضامن، بل عن مصلحة أوروبية مباشرة، لأن استقرار القارة يرتبط بنتيجة هذه الحرب وبكيفية تسويتها.
كما تناول الوزير موقع النرويج داخل أوروبا وخارجها، موضحًا أن بلاده، رغم عدم انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالسوق الأوروبية المشتركة وبالهياكل الأمنية الغربية. وأشار إلى أن النرويج تعتمد ما وصفه بـ"إستراتيجية التوازن"، أي إستراتيجية تقوم على الموازنة بين الحفاظ على الشراكة عبر الأطلسي مع الولايات المتحدة، وتعزيز التعاون الأوروبي في الوقت نفسه. واعتبر أن الدفاع لم يعد موضوعًا عسكريًا فقط، بل يشمل أيضًا الإنتاج الصناعي، والتكنولوجيا، والبحث، والتنسيق بين الدول الأوروبية في مجالات الأمن الشامل.
وفي جزء مهم من كلمته، ركز الوزير على القطب الشمالي، واصفًا إياه بأنه منطقة إستراتيجية متصاعدة الأهمية. وأوضح أن الشمال الأوروبي لم يعد مجرد فضاء جغرافي بعيد، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بمعادلات الأمن الأوروبي والروسي، خاصة مع القرب من المواقع العسكرية الحساسة والبنية التحتية البحرية ومسارات الملاحة. وبيّن أن المنطقة تكتسب أهمية خاصة في ظل التغيرات المناخية وتراجع الجليد، ما يفرض على الدول المعنية، وفي مقدمتها النرويج، التعامل مع الملف بعين إستراتيجية بعيدة المدى.
كما تطرق الوزير إلى أزمة المناخ والطبيعة، معتبرًا أنها التحدي الأكبر الذي يواجه البشرية، وأنها لا تقل خطورة عن الحروب والنزاعات المسلحة. وأكد أن مواجهة هذه الأزمة تتطلب تعاونًا دوليًا حقيقيًا، واستثمارات طويلة الأجل في الابتكار والطاقة النظيفة والاقتصاد الدائري. وحذّر من أن النزاعات المسلحة تستنزف الاهتمام والموارد، في وقت يحتاج فيه العالم إلى التركيز على التحديات التي تمس مستقبل الأجيال القادمة.
أزمة المناخ والطبيعة لا تقل خطورة عن الحروب والنزاعات المسلحة
فور انتهاء كلمة الوزير طلب مقدم الجلسة "مارك هكر" شرحاً عن مدى صعوبة "كونك جارًا لروسيا"، والمشاكل في سفالبارد، وكيف يتم التعامل معها. أجاب الوزير إسبن بارث إيدي بتأكيد أن الحدود النرويجية-الروسية هي الأكثر استقرارًا لروسيا مع أي دولة، وتحدث عن التجربة التاريخية عندما دخل السوفييت شمال النرويج لإخراج الألمان في الحرب العالمية الثانية ثم غادروا، وهو أمر يُحفظ في الذاكرة النرويجية.
كما أشار إلى تعاون مستمر في الصيد البحري؛ حيث يتفقان علميًا على الحدود المسموحة للصيد ويوزعانها، وهذا معمول به منذ الحرب الباردة وحتى يومنا هذا. أما عن سفالبارد فقد أكد أنها أراضٍ نرويجية غير متنازع عليها، لكن معاهدة سفالبارد (1920) تسمح لروسيا بالنشاط الاقتصادي. فالوضع إجمالاً يسير على ما يرام لأن روسيا تدرك عواقب إضرارها بالوضع القائم، لكن الأولوية هي منع المواجهة العسكرية والحفاظ على القدرة على التنبؤ بسلوك العلاقات الثنائية.
في المحصلة، عكست كلمة وزير الخارجية النرويجي رؤية سياسية واضحة تدعو إلى عالم أكثر مسؤولية وتعاونًا، وإلى أوروبا أقوى وأكثر حضورًا في إدارة التوازنات الدولية. كما أبرزت ضرورة عدم التعامل مع الأزمات الحالية كقضايا منفصلة، بل كأجزاء مترابطة من مشهد عالمي واحد، تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد والطاقة والأمن والمناخ. ويمكن القول إن الرسالة الأساسية التي حملتها الفعالية هي أن الاستقرار الدولي لم يعد مضمونًا، وأن الحل لا يكمن في الانكفاء، بل في بناء شراكات أوثق ومؤسسات أكثر فاعلية، وأوروبا أكثر قدرة على حماية مصالحها والمساهمة في الاستقرار العالمي.

