تمهيد
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات وتتعاظم فيه التحديات الأمنية والوطنية التي تواجه سوريا، بات إشراك المرأة وتمكينها في منظومة الأمن والدفاع ليس خياراً تكميلياً، بل ضرورة وطنية عميقة وإستراتيجية حتمية. فدمج المرأة السورية في مؤسسات القطاع الدفاعي لم يعد مجرد خطوة في مسيرة العدالة الاجتماعية، وإنما استثمار حقيقي في تعزيز كفاءة الأجهزة الأمنية والعسكرية، وترسيخ التمثيل الوطني الشامل.
شهدت سوريا في مرحلتها الانتقالية ما بعد سقوط نظام الأسد تحولات سياسية وأمنية واجتماعية عميقة، تطلبت إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وفق رؤية شاملة للاستقرار والتعافي المبكر. وفي هذا السياق، برز إدماج المرأة في قطاع الأمن والدفاع كأحد المداخل الإستراتيجية لتعزيز الثقة المجتمعية، وتحقيق الشمولية في عمليات صنع القرار الأمني. فقد أثبتت التجارب الميدانية في مناطق متعددة من سوريا أن مشاركة المرأة في الأجهزة الأمنية لا تقتصر على التمثيل الشكلي، بل تمتد إلى تحسين جودة الاستجابة للتحديات المجتمعية، وبناء آليات محلية للتوسط وحل النزاعات.
بات إشراك المرأة وتمكينها في منظومة الأمن والدفاع ليس خياراً تكميلياً، بل ضرورة وطنية واستراتيجية حتمية.
تكتسب هذه الورقة أهميتها من الزخم الراهن الذي تشهده عمليات إعادة الهيكلة الشاملة التي تقودها الدولة الجديدة، والذي تجلى في فتح معاهد الشرطة النسائية أمام جميع السوريات1، وإعلان وزارة الخارجية التزامها بتمكين المرأة كشريكة أساسية في بناء الدولة2. غير أن هذه الخطوات تواجه تحديات بنيوية تتعلق بالثقافة الأمنية الذكورية، وضعف التمثيل في الكوادر العليا، ومخاطر تراجع المكتسبات في المناطق ذات التوجهات الدينية المحافظة.
ومن هنا، تسعى الورقة إلى تقديم تحليل منهجي لأهمية إدماج المرأة في القطاع الدفاعي، ودورها في تعزيز الاستقرار المجتمعي، انطلاقاً من المشاركة التاريخية للنساء في القطاع الدفاعي ثم دورها في الثورة السورية مع رصد التطورات الحالية، وتقديم توصيات عملية ترتكز على معايير الشمولية والكفاءة والاستدامة، بما يدعم عملية الانتقال السياسي والأمني نحو سوريا موحدة ومستقرة.
المشاركة التاريخية للمرأة السورية في القطاع الدفاعي
تاريخياً شاركت المرأة السورية في الجيش والشرطة والاستخبارات، فعلى صعيد الجيش بدأت مشاركة المرأة في الجيش السوري برمزية تاريخية (نازك العابد 1920)3، ثم توسعت تدريجياً مع السماح الرسمي للتطوع والالتحاق بالكليات العسكرية، ولكن بقيت نسبة النساء ضئيلة ومرتبطة في معظمها بالأدوار الإدارية أو الصحية، ولم يتغير الحال كثيراً إلى اندلاع الثورة السورية عام 2011.
كما شهدت المؤسسة العسكرية للنظام البائد توسعاً محدوداً في تطويع النساء نتيجة نقص الموارد البشرية، حيث قُدّر عدد المجندات بنحو 8500 امرأة، معظمهن في قطاع الدفاع الوطني. ورغم ذلك، تكشف بيانات التخرج السنوية لضباط الجيش استمرار الفجوة النوعية الواسعة، إذ لا يتجاوز عدد الضباط الخريجات 25 سنويًا مقابل آلاف من الذكور، ما يجعل نسبة النساء في الجيش أقل من 1%4.
امتدّت عملية التطويع لتشمل إشراك النساء في بعض المهام القتالية، أبرزها تشكيل "كتيبة المغاوير الأولى"5 ضمن الحرس الجمهوري للنظام البائد التي شاركت في معارك بدمشق وريفها، وأسفرت عن مقتل عدد من عناصرها وتعرّض أخريات لابتزاز جنسي استدعى تدخل ضباط روس. وعلى الرغم من هذا الانخراط، تبدو مشاركة النساء في القتال أقرب إلى توظيف إعلامي يهدف إلى إظهار الجيش بصورة أكثر "تحرّراً" أمام الجمهور الغربي6.
بدأت مشاركة المرأة في الجيش السوري برمزية تاريخية (نازك العابد 1920)، ثم توسعت تدريجياً مع السماح الرسمي للتطوع.
أما في الشرطة فقد تأسست أول مدرسة للشرطة النسائية في سبعينيات القرن الماضي7، تبعها توسع محدود لمهام الشرطيات مع استمرار الهيمنة الذكورية وعدم تولي النساء مناصب قيادية حقيقية في هذا القطاع، حيث شملت مهامها معالجة قضايا الأحداث والعنف الأسري.
المرأة السورية والثورة
مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، برزت المرأة السورية كفاعلٍ أمني غير رسمي، إذ انخرطت في نشاط استخباراتي مدني مستقل عن مؤسسات الدولة والفصائل المسلحة8. حيث لعبت النساء دوراً محورياً في جمع المعلومات ورصد تحركات القوات العسكرية للنظام البائد والميليشيات، بالإضافة إلى توثيق الانتهاكات والاعتقالات والاختفاء القسري9، اعتماداً على شبكات محلية صغيرة قادرة على الوصول إلى الأماكن المغلقة اجتماعياً والتي يصعب على الرجال اختراقها.
كما شاركت النساء ضمن خلايا التنسيق الميداني في تأمين الاتصال بين الناشطين، وإدارة نقل المعلومات والوثائق الحساسة، وتطوير أساليب أولية للأمن الرقمي وحماية البيانات، ما جعل حضورهن جزءاً من منظومة "الأمن المجتمعي" التي تشكلت خلال الثورة. وامتد دورهن أيضاً إلى الاستخبارات المضادة من خلال كشف المخبرين ومراقبة عناصر مشبوهة داخل المجتمع أو داخل مجموعات العمل المدني، إضافة إلى توفير المأوى والملاذات الآمنة لشخصيات مطلوبة10، وإخفاء الأجهزة أو المواد التي يمكن أن تدين الناشطين أثناء المداهمات.
وقد تميز هذا الدور النسائي بالمرونة، والعمل التطوعي، والقدرة على المناورة في البيئات الأمنية المغلقة، مما جعله أحد أهم مكونات البنية الاستخباراتية غير الرسمية التي اعتمدت عليها المجتمعات المحلية لحماية نفسها في ظل انهيار مؤسسات الدولة أو قمعها. ورغم غياب الاعتراف الرسمي، شكّل هذا النشاط جزءاً أساسياً من ديناميات الحراك المدني والأمني خلال سنوات النزاع.
لاحقاً ونتيجة للعمليات العسكرية التي نفذها نظام الأسد البائد شاركت عدة نساء في أعمال عسكرية مباشرة ضمن بعض الفصائل الثورية إلا أنها كانت محدودة ورمزية في هذا المجال. تطور الوضع بعد ظهور بوادر استقرار عام في مناطق شمال غرب سوريا، حيث ظهرت مبادرات لتشكيل وحدات أمنية نسائية بسيطة تركز على مهام الإسناد والتفتيش المدني11، على الرغم من ضعف الإمكانيات التنظيمية والموارد البشرية إلا أن مشاركتها كانت مهمة وضرورية في بيئة معقدة أمنياً.
لعبت النساء دوراً محورياً في جمع المعلومات ورصد تحركات القوات العسكرية للنظام البائد والميليشيات.
يُبيّن هذا المسار أن مشاركة المرأة غالباً ما تكون احتياجاً يفرضه الواقع الأمني والاجتماعي بالتوازي مع ارتباطها بإصلاحات هيكلية أو سياسات طويلة الأمد. يشير ذلك إلى أن حضور المرأة في القطاع الأمني السوري لا ينبغي أن يبقى رهيناً للتغيرات الظرفية، بل ضرورة نتيجة تغيّر جذري في بيئة العمل أو التنظيم المؤسساتي.
القطاع الدفاعي والمرأة السورية في سوريا الجديدة
مع إعادة تشكيل الحكومة السورية الجديدة عام 2025، شهدت مؤسسات القطاع الدفاعي، كوزارتي الدفاع والداخلية، تغييرات في الهيكلية الإدارية والتعيينات الأمنية12. ورغم هذه التحولات، لا يزال تمثيل المرأة في المناصب العليا محدوداً للغاية ومشاركتها ما زالت غير واسعة13، فمراكز القرار الرئيسية داخل الوزارة، بما في ذلك رئاسة الوزارتين ووحدات القيادة العليا، بقيت بيد ضباط ذكور، دون أي تعيين نسائي واضح في مواقع القيادة الإستراتيجية، وهذا الوضع مرتبط بطبيعة الفصائل العسكرية التي حققت النصر.
ومع ذلك، هناك بعض المجالات التي شهدت وجود نساء بشكل محدود، مثل شرطة السياحة وبعض الأقسام الإدارية المتخصصة داخل وزارة الداخلية14، وبعض الأقسام الإدارية في الاستخبارات، ومشاركة نسائية في أعمال الشرطة المجتمعية والإدارية15، ولكنها لا تصل إلى مواقع صنع القرار الأمني أو العسكري. بالمقابل افتتحت وزارة الدفاع باباً للتعاقد مع الكوادر النسائية من مختلف الاختصاصات، وبلغ عدد المتقدمات 200 متقدمة، وهو رقم بالرغم من ضآلته 16 إلا أنه يؤسس لمشاركة النساء في الوزارة.
التحديات أمام انخراط نسائي أوسع في القطاع الدفاعي
على الرغم من حضور المرأة المحدود في الوظائف الثانوية، فإن مشاركتهن لا تزال محكومة بقيود هيكلية ومؤسسية تمنع انخراط واسع أو الوصول إلى مواقع قيادية، وهناك تحديات متنوعة ومتشابكة تواجه انخراط النساء في قطاع الأمن والدفاع، أبرزها:
التحديات الاجتماعية
- ضغط الأدوار الأسرية على المرأة كزوجة وأم، ما يقلل قدرتها على الالتزام الكامل بالعمل الأمني والعسكري، فضلاً عن طبيعة بعض الأعمال العسكرية والأمنية17.
- ضعف القبول المجتمعي للنساء في مواقع أمنية قيادية أو ميدانية.
- وجود فروقات فعلية في فرص المشاركة والترقية، بالإضافة إلى سيطرة الثقافة الذكورية على البيئة العسكرية18.
التحديات المؤسساتية
- عدم وجود سياسات واضحة تضمن فرص ترقية متساوية بين النساء والرجال في العمل19.
- نقص برامج التدريب المتخصص للنساء، وهي خطوة تعمل الحكومة الجديدة على حلها من خلال معاهد متخصصة للنساء في القطاع الدفاعي.
- غياب كوادر مؤهلة لتدريب النساء على المهارات القتالية والفنية المتقدمة.
- ضعف الإجراءات التي تضمن بيئة عمل عادلة ومحترمة للجميع داخل المؤسسات.
- محدودية الدور الفاعل لوحدات شؤون المرأة داخل الوزارات.
- غياب بنى تحتية داعمة (سكن وظيفي، مرافق ملائمة، بيئة عمل آمنة).
- محدودية الأدوات والموارد اللازمة لتنفيذ المهام بكفاءة.
- ضعف الاستفادة من قدرات النساء في التحليل، الاستخبارات الاجتماعية، والتحقيقات.
لا تزال مشاركة المرأة في القطاع الدفاعي محكومة بقيود هيكلية ومؤسسية تمنع انخراط واسع أو الوصول إلى مواقع قيادية.
التحديات القانونية والتشريعية
- يمثّل الإطار القانوني الحالي عائقاً أساسياً أمام تعزيز دور المرأة في قطاعي الدفاع والداخلية، إذ إن المرسوم التشريعي رقم 1 لعام 2012 المنظّم لخدمة قوى الأمن الداخلي لم يواكب التحولات الاجتماعية ولا متطلبات إدماج النساء في مواقع متقدمة. فالتشريع يخلو من نصوص صريحة حول المساواة في التعيين والترقية، ولا يضمن حماية فعّالة من التمييز أو التحرش داخل المؤسسات الأمنية. كما أن غياب رقابة تشريعية فاعلة سابقاً حال دون تحديث القوانين أو إصدار لوائح تنفيذية داعمة20.
- أيضاً بذات السياق فإن المرسوم التشريعي 18 لعام 2003 وتعديلاته لا يُسهم كثيراً في تعزيز دورة المرأة في القطاع الدفاعي21.
الفرص المتاحة أمام تعزيز حضور المرأة في القطاع الدفاعي
على الرغم من التحديات السابقة إلا أن هناك فرصاً كبيرة لتمكين وتعزيز دور المرأة في القطاع الدفاعي، خصوصاً أنه ضرورة مركّبة لتعزيز فعالية المؤسسات الدفاعية السورية. فمشاركة المرأة في الشرطة المجتمعية ترفع الثقة بين المواطنين والسلطة، وتسهّل التواصل وتخفف التوترات خلال الأزمات، كما تسهم القياديات النساء في تطوير قنوات جمع المعلومات وتحسين جودة العمل الاستخباراتي، وتمتاز بمهارات التواصل وحل المشاكل، وهذا يساعد في التعامل مع المواقف الصعبة داخل المؤسسات الأمنية.
كما أن توسعة مشاركة المرأة يزيد من فرص الدعم الدولي للقطاع الأمني السوري، ويوجّه رسالة مجتمعية إيجابية تعزز بناء القدرات المحلية، وترسّخ قيم العدالة والمساواة في سياق إصلاح المؤسسات الوطنية. وترتبط التوسعة والمشاركة بإستراتيجية مأمولة تتضمن خطوات عملية لتعزيز إدماج المرأة وتطوير قدراتها القيادية، منها:
- نشر ثقافة التوعية والتثقيف حول أهمية تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في الأجهزة الأمنية22
- مراجعة السياسات الداخلية لضمان دعم مشاركة المرأة ومساءلة القادة عن تطبيق تلك السياسات، وربط ذلك بمؤشرات أداء واضحة23.
- توفير بيئة عمل آمنة ومحفزة داعمة بالتوازي مع ضمان الاحترام والمساواة وعدم التمييز، مع تسهيل التكامل المهني والتدرج الوظيفي.
- إطلاق برامج تدريب وتأهيل متخصصة تستهدف رفع القدرات المهنية والقيادية للمرأة، تشمل التدريب أثناء وبعد التوظيف والتوجيه والإرشاد المستمر24.
- الاتجاه نحو مرحلة تشريعية جديدة وتفعيل دور مجلس الشعب القادم، حيث تبرز الحاجة لمراجعة التشريعات وتضمينها بنوداً واضحة تعزز مشاركة النساء، وتنظّم بيئة عمل آمنة، وتفتح المجال أمام حضورهن في مواقع القيادة وصنع القرار. ويُعد هذا التعديل خطوة أساسية لأي إصلاح مؤسسي مستقبلي يهدف إلى تمكين المرأة داخل الأجهزة الأمنية.
مشاركة المرأة في الشرطة المجتمعية ترفع الثقة بين المواطنين والسلطة، وتسهّل التواصل وتخفف التوترات خلال الأزمات.
الخاتمة
إن تمكين المرأة في القطاع الدفاعي السوري يمثل خطوة نوعية نحو بناء مؤسسة أمنية أكثر اتزانًا وشمولًا. لا تقتصر المكاسب المرجوة على التكافؤ الجندري، بل تمتد لتشمل تعزيز فعالية المنظومة الدفاعية ورفع كفاءتها في مواجهة التحديات الوطنية. يعتبر إدماج النساء محركًا لتعزيز الثقة المجتمعية بمؤسسات الدولة وموردًا إستراتيجيًا يسهم في تطوير المهارات والتخصصات.
إن مستقبل القطاع الدفاعي لن يكون فاعلًا ومتينًا إلا بمشاركة حقيقية واسعة ومستدامة للنساء، عبر سياسات إصلاحية تراعي حاجاتهن وتوظف إمكاناتهن. لذا، ستظل عملية التكييف الهيكلي والتشريعي والتقني شرطًا رئيسيًا لبلوغ منظومة وطنية قادرة على حماية المجتمع وصناعة الاستقرار، وتوفير الفرص المتكافئة لكل مكونات المجتمع السوري.


