مقدمة
مع مطلع عام 2026، وإطلاق العملية العسكرية في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب1، شهدت مناطق شرق وغرب نهر الفرات في سوريا حالة من التصعيد المتسارع على المستويات العسكرية والسياسية والاجتماعية، مهدّت الطريق لاندلاع عمليات عسكرية واسعة بين 10 و18 كانون الثاني/يناير 2026. لم تكن تلك العمليات حدثاً مفاجئاً بمعزل عن السياق؛ بل سبقتها تطورات جوهرية خلال الأشهر الأخيرة من عام 2025.تضمن هذا السياق تراجعاً مطرداً في نفوذ قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مناطق سيطرتها خصوصاً بعد انسحابها من مدينة حلب، مما ساهم في تغيير ميزان السيطرة الميدانية، إلى جانب احتدام التوتر نتيجة استهداف قسد لمدينة حلب عدة مرات بطائرات انتحارية وهو ما استدعى قيام الجيش السوري بتوسيع عملياته العسكرية في شرق حلب انطلاقاً من دير حافر ومسكنة وصولاً للحسكة خلال عدة أيام، وهو ما ساهم في نهاية الأمر بإظهار تآكل الشرعية المحلية لسلطة الأمر الواقع (الإدارة الذاتية) في نظر السكان وبالأخص في المناطق العربية.
شهدت مناطق شرق وغرب نهر الفرات في سوريا حالة من التصعيد المتسارع على المستويات العسكرية والسياسية والاجتماعية.
تتناول هذه الورقة تطورات العملية العسكرية شرقي الفرات خلال الفترة 10–18 كانون الثاني/يناير 2026 عبر ثلاثة مستويات مترابطة: المستوى العسكري–الأمني (محاور التقدّم، توزيع المهام، وتكامل الأدوار)؛ المستوى الاجتماعي (دور العشائر والفاعلين المحليين في ديناميات السيطرة)؛ المستوى الإعلامي (السرديات الرسمية والرديفة وأثرها على الشرعية والثقة العامة).
تحركات الفرق العسكرية شرقي الفرات
توجهت الفرق العسكرية التي شاركت في عملية السيطرة على الشيخ مقصود في 10 كانون الثاني/يناير 2026 لتأمين خطوط الجبهات مع قسد، في منطقة دير حافر شرقي حلب لتأمين المدينة بعد استهدافها عدة مرات بالطائرات المسيرة من قبل قسد، حيث توجهت الفرقة 60 و72 إلى خطوط التماس غربي نهر الفرات؛ بهدف تعزيز الخطوط الدفاعية للجيش السوري2.
بمجرد إعلان المنطقة عسكرية وبعد عدة ساعات أعلنت قسد أنها ستنسحب من منطقتي دير حافر ومسكنة غربي الفرات، وبسبب خروقات قسد أعلنت هيئة العمليات العسكرية في الجيش السوري، مدينة الطبقة ومحيطها منطقة عسكرية محظورة، فاستطاعت الفرق العسكرية السيطرة على مدينة الطبقة وجميع المناطق الواقعة غربي نهر الفرات، وسط انهيار الخطوط الدفاعية لقسد3.
شاركت بشكل رئيسي ست فرق من قوى الجيش السوري، في العمليات العسكرية ضد قوات سورية الديمقراطية (قسد). كانت مسارح الفرق تتركز في غربي وشرقي نهر الفرات، وهي الفرق "60 – 66 – 72 -86 –52- 44"، حيث تولت كل فرقة محاور جغرافية محددة، كما شاركت الفرق بمحاور مشتركة في بعض المناطق، فكانت لكل فرقة مهام ميدانية معينة، الأمر الذي عكس تكاملًا في الأدوار العملياتية، وقد تجلى ذلك إيجابياً في سرعة تقدم الجيش4.
شاركت بشكل رئيسي ست فرق من قوى الجيش السوري، في العمليات العسكرية ضد قوات سورية الديمقراطية.
بانسحاب قوات سورية الديمقراطية (قسد) تحركت القوات العسكرية من محور دير حافر عبر دخولٍ متدرّج، وتولّت إحدى الفرق دور رأس الحربة في الاقتحام والقتال الحضري. وواصلت هذه التشكيلات التقدّم في الريف الغربي لمحافظة الرقة، فيما تولّت تشكيلات أخرى: محور الإسناد والتثبيت، مهام الإسناد الناري، تثبيت خطوط الجبهة، والتمشيط اللاحق لعمليات الاقتحام.
من جهة أخرى، نفذت تشكيلات عسكرية عمليات اقتحام ضد قسد بدءًا من ريف الرقة الغربي وصولًا إلى مدينة الطبقة، ثم تدرجت باتجاه مدينة الرقة. وبالتوازي، توغلت تشكيلات عسكرية من الريف الشرقي للرقة باتجاه المدينة. ولاحقًا شاركت قوات عسكرية انطلاقًا من محور الرقة الشمالي باتجاه عين عيسى، بوصفها عقدة وصل تؤثر في خطوط الإمداد والتواصل نحو الرقة.
ويشير تحليل طبيعة هذه المحاور إلى محاولة عزل الرقة عن عين العرب/كوباني في ريف حلب، باعتبارها نقطة ارتكاز أساسية في تعزيزات قسد البشرية واللوجستية، بما يفضي إلى تضييق خياراتها بين الانسحاب باتجاه الحسكة أو العودة شمالًا نحو عين العرب/كوباني5.
أما محور الفرات والحدود العراقية من البوكمال إلى اليعربية وعلى وقع انهيار خطوط قسد الدفاعية في الرقة، اندلعت انتفاضة عشائرية في ريف دير الزور الشرقي ضد قسد، ثم امتدت إلى بقية الأرياف، بما خلق ثغراتٍ ميدانية، استثمرتها تشكيلات القوات الخاصة على محور الفرات عبر التسلّل/العبور من الضفة المقابلة لنهر الفرات إلى عمق مناطق سيطرة قسد في الريف الشرقي، مع إسنادٍ من وحدة مدفعية مرافقة للمحور ذاته.
وعقب ذلك، تحرّكت تشكيلات محور تأمين الشريط الحدودي مع العراق لتثبيت السيطرة على المناطق الحدودية، ضمن امتدادٍ ميداني بدءًا من البوكمال والعشارة باتجاه منطقة 47 ثم الشدادي والهول، وصولاً إلى تل حميس واليعربية في الحسكة. كما شاركت تشكيلات عسكرية منطلقة من محور دير الزور الغربي في عملية توغّلٍ واسعة على المحور الغربي للمحافظة، بما عزّز ضغط المحاور المتقدمة على امتداد الفرات. وساندت تشكيلات الإسناد والتمشيط والاحتياط العملياتي هذا الجهد عبر مهام التثبيت والتمشيط وتوفير احتياطٍ قابل للدفع عند الحاجة، ضمن محورٍ امتد من الشدادي وصولًا إلى أطراف مدينة الحسكة6.
اندلعت انتفاضة عشائرية في ريف دير الزور الشرقي ضد قسد، ثم امتدت إلى بقية الأرياف.
وقد شهدت المناطق التي تقدمت فيها الفرق العسكرية، غرب الفرات وشرقه، تكاملًا بين القوى العسكرية والأمنية، حيث ترافق مع توغل الفرق العسكرية تشكيلات من الشرطة العسكرية، التي تركّز دورها على مراقبة انضباط المجموعات القتالية في الفرق العسكرية، في حين تركّزت مهمة جهاز الأمن الداخلي على تأمين وضبط المناطق المحررة حديثا، بارتكازهم في المناطق الحيوية، وبناء الحواجز في مداخل ومخارج المنطقة المحررة، وتسيير الدوريات الشرطية في أزقتها وأحيائها الفرعية7.
اضغط لعرض الخريطة بالدقة الكاملة
تفاعل قوى العشائر المحلية
تتكون البنية الاجتماعية في شرق الفرات من تجمعات عشائرية عربية واسعة أبرزها (العكيدات، البكارة، شمر، طي، الجبور، وغيرها)، حيث تتداخل فيها الروابط العشائرية مع الاقتصاد المحلي (الزراعة/التجارة/الخدمات) ومع أنماط السيطرة على الأرض والموارد. وخلال سنوات الصراع، دخلت هذه العشائر في علاقات متغيرة مع مختلف السلطات: تفاهمات تكتيكية ضد تنظيم داعش في مراحل، ثم احتكاكات متقطعة لاحقاً مع سلطات الأمر الواقع بسبب إدارة الأمن المحلي، وتوزيع الموارد، وآليات التجنيد والتمثيل مع قوات سوريا الديمقراطية انتقالاً من "شراكة ضرورة" إلى "توتر شرعية" في بعض المناطق العربية، خاصةً عندما تزايدت الفجوة بين البنى العشائرية المحلية وبين نمط الإدارة/الحوكمة المفروض، وهو ما يُسهم في تفسير سرعة انخراط قطاعات عشائرية في مسارات داعمة للسلطة المركزية عندما بدا ميزان القوة يميل ضد قسد، وسبق لها أن حاولت الانتفاض على قسد أكثر من مرة ولكن دون فاعلية8.
تحركت قوات العشائر السورية في أرياف مدينة دير الزور التي كانت تسيطر عليها قوات قسد، مع سيطرة الجيش السوري على مدينة الطبقة بريف الرقة الجنوبي الغربي، واتخذت هذه التحركات طابعا متدرجًا بدأت من بلدة الشحيل ثم ذيبان والطيانة والحوايج وأبو حردوب، لتمتد جنوبًا باتجاه بلدات هيجن وصولًا إلى الباغوز وكشكية وأبو حمام وغرانيج، وقد عكست هذه التحركات نمطًا من السيطرة المحلية المتدرجة، حيث تولّت كل عشيرة السيطرة على مناطق نفوذها الجغرافي والاجتماعي بطريقة منظمة ومنضبطة9.
أما على الضفة الشمالية والغربية لدير الزور، فإن تحرك قوات العشائر في قرى مراط وحطلة والحسينية، أفضى إلى بسط سيطرتها على دوار الحلبية الذي يعد عقدةً إستراتيجية تربط دير الزور بالمحافظات الشمالية، الأمر الذي مهد لفتح طريق دير الزور حتى مدينة الصور باتجاه الحسكة، كما سيطرت قوات العشائر على كامل الشريط النهري الذي يشمل قرى؛ الحصان ومحميدة والحوايج وجديد بكارة وحوايج البومصعة والزغير، مما حال دون انتشار قسد في هذا القطاع ودفعها للانسحاب إما باتجاه الحسكة أو الرقة قبل تحريرها10.
تتكون البنية الاجتماعية في شرق الفرات من تجمعات عشائرية عربية واسعة أبرزها (العكيدات، البكارة، شمر، طي، الجبور، وغيرها).
كما تمكنت قوات العشائر من السيطرة على الضفة الشرقية لنهر الفرات، بما في ذلك الحقول النفطية في منطقة العمر والجفرة، وكذلك على معمل كونيكو للغاز، بدعم مجموعات من الفرق العسكرية التابعة للجيش السوري، في 18 كانون الثاني/ يناير 202611. شكّل دخول الجيش السوري نقطة مركزية في سير المعارك، حيث قام بتأمين المناطق المحررة حديثًا، وثبّت خطوط الجبهات، فيما استمرت قوات العشائر بالتقدم شمالًا باتجاه بلدات معدان ومركدة وصولًا إلى حدود الحسكة الجنوبية حيث حقل جبسة للغاز، ثم امتد إلى بلدة الهول وتل حميس واليعربية12.
وبالتوالي مع ذلك شهدت مدينة الرقة تحركات داخلية نفذها أهالٍ، ووجهاء، وكتل عشائرية محلية داخل مدينة الرقة. وتمكنت هذه التحركات من فرض حضور ميداني تدريجي عبر السيطرة على جيوب محددة في بعض الأحياء، مستفيدة من تراجع تماسك منظومات السيطرة لدى قسد تحت ضغط تعدد الجبهات. أدى ذلك إلى تحويل المدينة من ساحة قتال مغلقة إلى بيئة رخوة قابلة للاختراق، إذ لم يعد ميزان السيطرة يعتمد حصرًا على الاشتباك المباشر، بل على القدرة على ضبط نقاط المفاصل داخل الأحياء (مداخل، تقاطعات، مراكز خدمات، ومستودعات محلية).
واستندت التحركات الداخلية إلى مسارين متوازيين، اعتمد المسار الأول على التغلغل الاجتماعي-الأمني عبر شبكات القرابة والعشيرة، بما سمح بتقويض نقاط التفتيش المحلية، وتحييد بعض مفارز الحراسة، وانتزاع السيطرة على مراكز أمنية داخل المدينة، أما المسار الثاني فركّز على التوسع الطوقي خارج المدينة، باستثمار هشاشة الأطراف الريفية للرقة، والسيطرة على قرى ومفارق طرق تؤثر مباشرة في خطوط الإمداد والتنقل، بما أعاد تعريف الصراع من معركة داخل المدينة إلى معركة على محيطها13.
في المحصلة، ارتكزت دينامية التحرك في شرق الفرات على مستوى القبول المحلي الذي حظيت به قسد. حيث أظهرت معطيات التحركات الداخلية أن سيطرة قسد لم تتأسس على حاضنة اجتماعية متماسكة، ما جعل سلطتها هشة وبصرف النظر عن فاعليتها العسكرية سابقًا. وعليه، لم يتأتّ تفكك نموذج قسد شرق الفرات من تفوق ناري حاسم بقدر ما نتج عن تراكمات اجتماعية سلبية أضعفت شرعيته وقلّصت قدرته على الصمود.
الإعلام الرسمي والرديف في تغطية العملية العسكرية
تشكل البيئة الإعلامية المرافقة للعمليات العسكرية في غرب وشرق الفرات مدخلًا أساسيًا لفهم تحولات علاقة المؤسسة العسكرية بالفضاءين العام والرقمي. ففي الوقت الذي كرّست فيه التصريحات الرسمية صورة عملية "منضبطة"14 تستهدف "استعادة الأمن" و"ضبط الحدود"15، تتسرّب عبر الهواتف الخاصة للعناصر العسكريين والإعلاميين المرافقين مواد بصرية ومقاطع مصوّرة تعيد بناء الحدث خارج قنوات الضبط المؤسسي، وتكشف عن اختلالات في إدارة الصورة والخطاب16.
تشكل البيئة الإعلامية المرافقة للعمليات العسكرية في غرب وشرق الفرات مدخلًا أساسيًا لفهم تحولات علاقة المؤسسة العسكرية بالفضاءين العام والرقمي.
على مستوى الإعلام الرسمي، أعادت التغطية الحكومية للعمليات العسكرية في غرب وشرق الفرات صياغة الحدث بوصفه نقطة تحوّل ميدانية تؤسس لمرحلة جديدة من "الاستقرار" و"مكافحة الإرهاب"، ضمن سردية تستهدف إعادة تعريف طبيعة السيطرة وترتيب مواقع الفاعلين. حيث تمركز الخطاب حول ثلاثة محاور رئيسة:
- أولاً: إعادة توصيف استعادة المناطق بوصفها استرجاعًا لسيادة الدولة على الموارد والمعابر وإعادة إدماجها في الجغرافيا السياسية الرسمية17.
- ثانياً: إبراز الجيش والعشائر كفاعليْن وطنيين جامعيْن في مواجهة "قوى خارجة عن القانون"، بما يحوّل الحضور العشائري إلى رصيدٍ لشرعية محلية.
- ثالثاً: إعادة تقديم قسد كفاعل مؤقت متآكل الشرعية التمثيلية محليًا، بفعل اتهامات الارتهان للخارج، وممارسات إقصائية ذات طابع مكوناتي18.
وتجلّى هذا البناء بالتركيز على رمزية المناطق المستعادة مثل الطبقة وسد الفرات، وتكثيف صور رفع العلم ومشاهد استقبال القوات من قبل الأهالي والعشائر كدليل على "عودة الحياة الطبيعية"19. وفي هذا الإطار، اعتمدت وزارة الدفاع على نشر خرائط توضيحية لمسار العمليات ونطاق الضربات وحدود الأهداف العسكرية. في توظيف يراد له أن يرسخ صورة عمليات مخطَّطة ومقنّنة تراعي خطوط التماس، ووجود المدنيين، وممرات الخروج الآمنة20. بهذه العناصر، سعى الخطاب الرسمي إلى تقديم المؤسسة العسكرية بوصفها فاعلًا منضبطًا يوازن بين أولوية الحسم الأمني وتقليل الأضرار الجانبية، ضمن سردية "الدولة المسؤولة" لا مجرد طرف منتصر ميدانيًا21.
واشتغل هذا البناء على تحويل القوة من أداة قسر إلى أداة "حماية"، عبر لغة تحيل إلى القانون والضرورة والتناسب، وتدرج العنف ضمن حدود معلنة: استهداف دقيق، وتمييز بين مقاتلين ومدنيين، وإجراءات احترازية تعرض كجزء من التخطيط لا كاستجابة لاحقة للانتقادات. وأدار الخطاب، في الوقت ذاته، معركة الشرعية على مستويين؛ إذ خاطب الداخل بوصفه جمهورًا قلقًا من عودة الفوضى أو الانتقام، وخاطب الخارج بوصفه جمهورًا يراقب ملف الحدود، وحماية الموارد، ومخاطر النزوح، بما يجعل "الانضباط" رسالة سياسية بقدر ما هو توصيف عسكري.
تتسرّب عبر الهواتف الخاصة للعناصر العسكريين والإعلاميين المرافقين مواد بصرية ومقاطع مصوّرة تعيد بناء الحدث خارج قنوات الضبط المؤسسي.
في المقابل، يبرز سلوك بعض أفراد وزارة الدفاع والقوى الأمنية والإعلاميين المرافقين، بوصفه أحد أكثر مواطن الخلل حساسية؛ إذ لم يعد الإشكال في توفر أدوات التصوير، بل في أنماط ممارسة إعلامية يومية تنفذ بعفوية وخارج أطر تنظيمية واضحة. يتجلى ذلك في النشر المباشر لمواقع انطلاق العمليات ولقطات تحرك الآليات22، وأحياناً التلميح إلى اتجاهات التقدم وطبيعة الأهداف المقبلة23. بما يعكس ضعف الوعي بمقتضيات الأمن العملياتي وغياب ضوابط داخلية فاعلة تحول التعليمات التنظيمية إلى سلوك ميداني ملزم، وتحول الحسابات الشخصية للعناصر إلى واجهات شبه غير رسمية للمؤسسة العسكرية، لكنها الأوسع انتشارًا وتأثيرًا.
ويتجاوز الخلل مستوى كشف المواقع إلى مضمون المقاطع نفسها. فالفيديوهات التي تبدو "عادية" من مزاح بين العناصر، وتعليقات مرتجلة، واستعراض للسلاح – تحمل رسائل غير محسوبة، تكشف حجم القوة ونوع التسليح وخصائص المكان24. أما المقاطع التي تتضمن تهديدات مباشرة، أو خطابًا انتقاميًا وإهانات بحق الخصم أو البيئات المحلية، فتعيد تأطير صورة الجيش والقوى الأمنية بعيدًا عن سردية "الانضباط" و"حماية المدنيين" وتوفر للفاعلين المناوئين مواد جاهزة لإنتاج سرديات الكراهية وتعميق الاستقطاب المجتمعي25.
على الجهة الأخرى، برزت منصات التواصل الاجتماعي كفضاء مفتوح لتعدد الروايات وتباين زوايا النظر إلى الحدث. إذ احتفت بعض الحسابات العشائرية والمحلية بما اعتبرته "تلاحمًا وطنيًا" وتصحيحًا لمسار السيطرة"26، في حين عبّر آخرون عن مخاوف من إعادة إنتاج أنماط سابقة من الانتهاكات وتجارب النزوح والاعتقال27. وتتزايد خطورة هذا الفضاء مع تنامي الأخبار المضللة ذات الطابع التهويلي، وخصوصًا فيما يتعلق بسردية "المجازر" و"الإبادة"؛ حيث تُدفع روايات جزئية أو غير متحققة إلى الواجهة بلغة عالية الانفعال، مستندة إلى مقاطع مبتورة أو صور منزوعة السياق أو عبر معلومات مضللة من الخصم، بما يخلق حالة ذعر عامة، ويدفع العشائر والفاعلين المحليين إلى إعادة تموضع سريع بناءً على رواية لم تدخل بمسار جاد للتحقق منها28.
ووفق هذا التصور، ومن دون الاستجابة التامة للضوابط السلوكية الموجهة للعناصر في الميدان وتفعيلها، من خلال بناء إستراتيجية تواصل رسمية قادرة على إنتاج رواية موثوقة وسريعة وقابلة للتصديق، ستظل السردية الأوسع انتشارًا هي تلك التي يصوغها الهاتف الشخصي أو الفاعل الأقدر على استثمار لغة الخوف على شبكات التواصل. وعند هذه النقطة تصبح الحاجة ملحة إلى مقاربة لا تكتفي بتنظيم علاقة الجيش بالصورة، بل تعيد تعريف موقع الإعلام العسكري والرقمي كجزء من معركة الشرعية والتمثيل وإدارة المجال العام، لا مجرد ملحق تقني للعمليات الميدانية29.
خاتمة وتوصيات
تكشف العمليات العسكرية شرق الفرات في كانون الثاني 2026 عن تحوّل نوعي في طبيعة الفعل العسكري، من المواجهة مع قوة نظامية إلى إدارة معركة معقدة متعددة المستويات تشمل الفواعل المحلية والمجتمعية والإعلامية. وقد أظهرت هذه العملية أن الهشاشة البنيوية لقسد لم تكن نتيجة تفوق ناري من قبل الدولة السورية فقط، بل كانت تعبيرًا عن تفكك اجتماعي وإداري في بيئة تعتبر مدى القبول المحلي فيها شرطًا حاسمًا للسيطرة المستدامة.
كما أن الدور المتنامي للقوى العشائرية، وتنامي الفضاء الإعلامي غير المنضبط، وضع المؤسسة العسكرية أمام اختبار مزدوج: الحفاظ على الانضباط العملياتي من جهة، وإدارة معركة الشرعية من جهة أخرى. وعلى هذا الأساس، برزت الحاجة إلى إستراتيجيات متعددة تتجاوز الطابع العسكري التقليدي لتشمل أدوات الحوكمة المحلية، والمقاربات الإعلامية، وآليات بناء الثقة مع السكان.
ومن المفيد التركيز على مجموعة من الأعمال في مختلف التوصيات للاستفادة من الوضع الحالي على الشكل التالي:
أولاً: على المستوى العسكري
- مع دخول فترة التهدئة، برزت أهمية الحفاظ على وتيرة الجاهزية العملياتية دون الانزلاق إلى الفراغ الأمني، خاصةً في المناطق التي شهدت انسحابات متسارعة لقسد.
- من المفيد تعزيز الحضور المنضبط للقوات في المناطق المحررة حديثًا، مع توسيع مهام الشرطة العسكرية والأمن الداخلي لتأمين الاستقرار وحماية السكان ومنع أي تجاوزات قد تستغلها الأطراف المناوئة في التشويش أو التحريض.
- تتيح فترة التهدئة فرصة لإعادة تقييم التموضع على الجبهات المفتوحة وتوزيع الاحتياطيات وفقًا للتهديدات المحتملة، دون المبالغة في الانسحاب أو الانكشاف.
ثانياً: على المستوى الاجتماعي (العشائري والمجتمعي)
- أكدت أحداث شرق الفرات على الدور الحيوي للمجتمعات المحلية في تغيير توازنات السيطرة ومن شأن الهدنة أن تشكل لحظة مناسبة لإعادة ترتيب العلاقة مع الحواضن الاجتماعية، عبر قنوات تنسيقية مرنة تمثل القوى الفاعلة من الأهالي والوجهاء.
- من المفيد فتح مسارات تواصل مباشر مع قوى العشائر التي بادرت بالمشاركة، سواء عبر المجالس المحلية أو لجان التنسيق، لضمان استدامة الاستقرار وتحييد أي أفعال تقلل الثقة مع هذه المجتمعات.
- إن دعم البنى المحلية الخدمية والأمنية في القرى والبلدات المحررة يرسّخ فكرة "التحرير كتحول دائم"، لا كمرحلة مؤقتة مرتبطة بالوجود العسكري.
ثالثاً: على المستوى الإعلامي
- أظهرت التغطية الإعلامية للأحداث قوتها وضعفها في آن معًا. لذلك، تتيح فترة الهدنة مجالًا لتعزيز الخطاب الإعلامي الوطني الموحد، الذي يجمع بين الواقعية والقدرة على مخاطبة الداخل والخارج.
- التواصل مع المجتمع: آلية “استماع وشكاوى” محلية قصيرة الدورة لتفكيك الشائعات سريعاً وتقليل فرص التعبئة المضادة.
- يمكن التفكير بتفعيل خلية إعلام حربي وتنموي مشتركة، تواكب الأثر الميداني والإنساني والسياسي للعمليات، وتمنح الجهات الرسمية القدرة على استباق الفوضى المعلوماتية في فترات الهدوء أو الانتظار.
- ضبط خطاب الكراهية: تعميم مدونة سلوك لغوية/إعلامية للعناصر والمراسلين المرافقين، وتحديد ألفاظ محظورة، وآلية مساءلة واضحة عند المخالفة.
- الانضباط والمساءلة: تفعيل قنوات تبليغ داخلية، وإجراءات تحقيق سريعة وشفافة في أي ادعاء تجاوز بحق المدنيين أو الممتلكات، مع إعلان نتائج موجزة للرأي العام عند الإمكان.
- الأمن العملياتي يتضمن نشر موحد (من يصرح؟ ماذا يُنشر؟ متى؟) + تدريب إلزامي قبل الانتشار، وربط المخالفة بعقوبات وظيفية.

