حضر ممثلون عن مركز مسداد مؤتمر الأمن والدفاع 2026 الذي عُقد في لندن واستمر على مدار يوم ونصف في يومي 25 – 26 فبراير بتنظيم من CHATHAM HOUSE.
جمع المؤتمر صناع السياسات، وكبار الشخصيات العسكرية وشخصيات من القوات المسلحة، رجال الأعمال، وخبراء المجتمع المدني. تجاوز عدد المشاركين في اليوم الأول 140 شخصاً وفي اليوم الثاني ما يزيد على 240 شخصاً ممثلا عن مختلف القطاعات المعنية.
من أبرز المتحدثين:
- الأدميرال جوزيبي كافو دراغون، رئيس اللجنة العسكرية لحلف شمال الأطلسي
- نيلز هيلمر، نائب وزير الدفاع؛ وكيل وزارة الدفاع الاتحادية، ألمانيا
- روبرت بيرس، المدير الوطني للتسليح، وزارة الدفاع، المملكة المتحدة
- السفير محمد شيحي، المدير التنفيذي للمعهد العالمي للبحوث الإستراتيجية، جامعة حمد بن خليفة، قطر
- كوستي سالم، مدير صندوق الابتكار التابع لحلف الناتو
- كايسا أولونغرين، الممثلة الخاصة لحقوق الإنسان، الاتحاد الأوروبي
- المارشال الجوي جريج باجويل، الحاصل على وسام الإمبراطورية البريطانية، زميل متميز في العلوم العسكرية، المعهد الملكي للعلوم الدولية
- جوانا فان دي ميروي، ضابطة أركان أولى، الجيش الملكي الهولندي
1. الناتو ومستقبل الدفاع الأوروبي (NATO and the Future of European Defence)
يركز هذا المحور على تحويل أوروبا من "مستهلك للأمن" إلى "منتج للسيادة"، مع معالجة العقبات البيروقراطية والتمويلية.
- تعتمد السيادة الأوروبية بشكل أساسي على الاستثمارات الضخمة في الذخائر، التكنولوجيا، والبنية التحتية الفضائية لتقليل الاعتماد على الأنظمة الأجنبية مثل الأقمار الصناعية الأمريكية، حيث شدد المتحدثون على أن التكنولوجيا الفضائية لم تعد ترفاً، بل هي أساس للأمن القومي والمدني.
"تعتمد السيادة الأوروبية بشكل أساسي على الاستثمار في الذخائر والتكنولوجيا والبنية التحتية الفضائية لتقليل الاعتماد على الأنظمة الأجنبية"
- تحديات تنظيمية: يقصد بالتحديات التنظيمية عقبة التشريعات (Over-regulation): حيث تم توجيه انتقادات حادة لبطء الإجراءات الإدارية التي تعيق الصناعة العسكرية مقارنة بسرعة التهديدات، إذ إن اللوائح التنظيمية المفرطة تُشكل عائقاً أمام التقدم السريع للصناعة، ولا سيما التأخير، الذي قد يمتد لسنوات، في استخراج التصاريح البيئية لخطوط الإنتاج الجديدة وميادين الاختبار. وعلى اعتبار الناتو ليس هيئة تنظيمية، فقد تم حث قادة الاتحاد الأوروبي على مراجعة وتسهيل هذه العمليات.
- الشراكة الأوروبية البريطانية رغم التحديات السياسية: هناك اتفاق بين حكومات الدول الـ 27 على العمل مع بريطانيا في قضايا حساسة تشمل الأمن السيبراني، الاستخبارات، وأنظمة الدفاع الجوي المشتركة. وقد تم التأكيد على أن التأخير في استخراج التصاريح البيئية لخطوط الإنتاج الجديدة وميادين الاختبار يعيق التقدم الصناعي السريع مما يستوجب عدم المبالغة في وضع التشريعات".
- نظراً لتجاوز إحجام البنوك عن تمويل قطاع الدفاع تم اقتراح إنشاء بنك دفاعي متعدد الأطراف لتوفير ضمانات ائتمانية تُسهل على الشركات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، الحصول على التمويل الذي تتردد البنوك التجارية في تقديمه بسبب قيود المخاطر.
"يجب إنشاء بنوك دفاعية متعددة الأطراف لتوفير ضمانات الائتمان، مما يسهل على الشركات الصغيرة والمتوسطة الحصول على التمويل."
- في الحديث عن البعد المجتمعي والسياسي في دول الاتحاد الأوروبي تم التطرق في الملف الأول إلى قضايا تمس صلب الهوية الأوروبية: فقد أكد المتحدثون على ضرورة تعزيز تمثيل النساء والشباب في البرلمانات الأوروبية لمواجهة التحديات السياسية المعاصرة، معتبرين أن انخراطهم هو الضمان الوحيد لاستمرار مشروع الاتحاد الأوروبي.
- كانت هناك وقفة ضد "خطاب التراجع والانهيار" الذي يروج له البعض عن الحضارة الأوروبية، مع التأكيد على ضرورة إظهار أفضل ما في أوروبا (مثل تنظيم الفعاليات الكبرى كالولايات المتحدة في الألعاب الأولمبية) لتعزيز الثقة الشعبية.
- شدد المتحدثون على أهمية "تبسيط القوانين" وإيصال فوائد التشريعات للمواطن العادي، لضمان عدم شعوره بالانفصال عن مؤسسات بروكسل.
2. العمل على المراجعة الاستراتيجية للدفاع: دفاع بريطانيا في عام 2026 (Acting on the SDR: Britain’s Defence in 2026)
- انطلاقاً من الرغبة في تحقيق إصلاحات مؤسسية تم الإعلان عن إنشاء "المديرية الوطنية للتسليح" (National Armaments Directorate) لتوفير إشراف شامل على المراحل المتعاقبة لعملية تقدم العمل انطلاقاً من صدور قرارات الاستثمار وصولا إلى الالتزامات التجارية وبما يضمن تحقيق الشفافية من بدء عملية الاستثمار حتى التنفيذ الكامل. ومن ضمن الإصلاحات المتداولة وضع استراتيجية دفاعية من خلال طرح استثمارات مالية قادمة تهدف لجعل هذا المجال "أكثر جاذبية لمستثمري القطاع الخاص" من خلال توضيح مسارات الربح والاستقرار في العقود الحكومية.
- إستراتيجية الصناعة الدفاعية: تسعى الإستراتيجية التي نُشرت مؤخراً إلى بناء قاعدة دفاعية تنافسية ومرنة قادرة على الابتكار السريع والتكامل مع الحلفاء، مع الانتقال من العلاقات الشرائية التقليدية (التي تعتمد على المعاملات) إلى شراكات إستراتيجية مع قطاع الصناعة وبناء "قاعدة صناعية مرنة" قادرة على مواكبة حروب المستقبل.
"نسعى للتحول من العلاقات الشرائية التقليدية القائمة على المعاملات (Transactional) إلى شراكات إستراتيجية طويلة الأمد مع الصناعيين"
- تم استعراض إنجازات مثل بناء فرقاطات "النوع 31" (Type 31 frigates)، والتي ستعزز القوة البحرية وتوفر فوائد صناعية وتصديرية، كدليل على ربط الابتكار بالإنتاج الفعلي.
- تم التأكيد على ضرورة تقدم القدرات العسكرية بالسرعة التي تتطلبها التهديدات الحالية، مع إطلاق وحدة استثمار دفاعية وإستراتيجية في المرحلة القادمة لجعل قطاع الدفاع أكثر جاذبية لمستثمري القطاع الخاص والتركيز على تقليص الفجوة الزمنية بين ابتكار الفكرة ووصولها ليد الجندي.
"الهدف هو تسليم القدرات العسكرية بالسرعة التي تفرضها التهديدات الحالية، نحتاج إلى تحويل الالتزامات المالية المقدمة إلى قدرات عملياتية ملموسة"
3. تطور المشهد الأمني في الشرق الأوسط (The Evolving Security Picture in the Middle East)
- يشهد الشرق الأوسط صعوداً ملحوظاً لقوى متوسطة مثل تركيا، قطر، وإسرائيل، وقد أصبحت هذه القوى تحل محل القوى التقليدية مثل مصر والعراق في المشهد الإقليمي، ويعد هذا بمثابة تحول جذري في توازن القوى وبروز "الاستقلالية الإستراتيجية" لدول المنطقة.
- وصلت النفقات العسكرية في المنطقة إلى مستويات قياسية (243 مليار دولار في عام 2024)، مع جهود حثيثة من دول الخليج لتوطين 50% من صناعاتها الدفاعية بحلول عام 2030 بهدف تقليل الاستيراد.
- أشار الخبراء إلى فقدان الثقة في الضمانات الأمنية الأمريكية بعد أحداث سبتمبر 2021، حيث تسعى دول المنطقة الآن لتنويع الشراكات وإلى تحقيق الاستفادة القصوى من العروض الأمنية والاقتصادية المقدمة من كل من الولايات المتحدة والصين وموازنة العلاقة بينهما.
- أشار المتحدثون إلى أن المؤسسات الدولية لم تعد قادرة على احتواء الأزمات الإقليمية فقد فشلت المؤسسات المتعددة الأطراف (مثل الأمم المتحدة) في إيجاد حلول للنزاعات في السودان وإيران ولبنان واليمن. بالنسبة للوكلاء، أوضحت الإدارة الأمريكية أن تدمير قدراتهم يجب أن يتم عبر إجراءات استهداف محددة نظراً لامتلاكهم قدرات تكتيكية محلية.
4. نظام "ويستفاليا" جديد لتجنب الفشل الغربي (A new Westphalia to avoid Western failure)
ركزت النقاشات هنا على فلسفة النظام العالمي الجديد، التحولات الجيوسياسية في المحيط الهندي والهادئ وكيفية إعادة تشكيل النظام العالمي، والحاجة لقواعد اشتباك واضحة.
- قدم بعض المتحدثين رؤية مغايرة حول الصين مقارنة بالولايات المتحدة: "يُنظر إلى الصين كفاعل أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ" مقارنة بالولايات المتحدة التي تعاني من تقلبات سياسية، و"لم تهدد الصين مسبقاً بالاستيلاء على أراضٍ بالقوة بينما تعاني واشنطن في هذا الخصوص من تقلبات سياسية حادة"، كما أن الصين تركز فقط على أمنها الإقليمي وحماية مصالحها.
- تلعب إندونيسيا، كقوة متوسطة، دوراً رئيسياً في تشكيل النظام العالمي القادم من خلال إقامة علاقات تجارية (بمنطق الصفقات) مع قوى متعددة، بما في ذلك عقد اتفاقيات ثنائية مع الاتحاد الأوروبي وكندا.
- التحذير من أن عدم وضوح الموقف الأمريكي تجاه تايوان قد يؤدي لكارثة: "يشكل الغموض والتناقض في السياسة الأمريكية تجاه تايوان خطراً متزايداً على استقرار مضيق تايوان، مما يستدعي وضوحاً أكبر لتجنب سوء الفهم".
- تم الحديث بشكل موسع عن إستراتيجية أستراليا للرد على النفوذ الصيني، ولكن من منظور غير عسكري، حيث اعتبر الوزير الأسترالي أن سياسة العمل المناخي هي "ثمن الدخول" للتعامل مع دول جزر المحيط الهادئ. فبدون الالتزام بخفض الانبعاثات، لن تقبل هذه الدول أي شراكة أمنية مع أستراليا. كذلك الهجرة، فقد تم طرح "تأشيرة مشاركة المحيط الهادئ" و"اتفاقية فاليو" مع توفالو، والتي تسمح لمواطني تلك الدول بالعيش والعمل في أستراليا، كأداة لتعميق الروابط الإنسانية والأمنية.
- كما تمت الإشارة إلى نجاح تاريخي في تقليص البيروقراطية الأمريكية (قوانين التجارة الدولية في الأسلحة)، حيث انخفضت مدة الحصول على مخططات الرادار من سنتين إلى أسبوعين فقط بفضل تشريعات "أوكوس".
- في الحديث عن التحديات البيئية والقطب الشمالي (Arctic) تضمنت التوصيات تقييماً فورياً للوضع العملياتي والسلوكي في منطقة القطب الشمالي، مع مقارنة دقيقة للأنشطة الروسية والصينية المتزايدة هناك، وتم اقتراح إعادة تنظيم قوات التحالف لمواجهة هذه التحركات بحلول صيف 2026، وكذلك تمت الإشارة إلى أن التغير المناخي يفرض تحديثاً شاملاً للبنية التحتية الطاقية، حيث أن ذوبان الجليد أو تغير المناخ يؤثر بشكل مباشر على فاعلية المعدات العسكرية واللوجستيات.
5. الدفاع عن الحدود الرقمية (Defending the Digital Frontier)
لم يعد الأمن السيبراني مجرد حماية بيانات، بل أصبح حماية لكيان الدولة واقتصادها. فقد انتقلت التهديدات السيبرانية من مجرد سرقة الأموال والبيانات إلى هجمات تخريبية تؤثر على الخدمات الحيوية والناتج المحلي الإجمالي. كما تم التحذير من استخدام التقنيات الحديثة في تمويل الأنشطة غير القانونية.
تم تحديد ثلاثة تهديدات رئيسية معززة بالذكاء الاصطناعي:
- تمويل الإرهاب والتطرف
- الجرائم السيبرانية الصناعية مثل برامج الفدية وعمليات الاحتيال المتعددة اللغات
- تهرب الدول من العقوبات باستخدام العملات المشفرة (Stablecoins)
"الذكاء الاصطناعي يسهل الجرائم السيبرانية الصناعية ويساعد في تهرب الدول من العقوبات باستخدام العملات المشفرة المستقرة."
- (Quantum Readiness): "يجب وضع خرائط طريق للتشفير ما بعد الكمي (Post-Quantum Cryptography) للقطاعين العام والخاص بحلول عام 2027." وذلك ضمن التوصيات المتعلقة بالاستعداد لليوم الذي ستُكسر فيه التشفيرات الحالية.
- تم اقتراح بناء مركز قيادة سيبراني ورقمي يدمج بيانات القطاع الخاص والبنية التحتية الحيوية لتوفير رؤية فورية للنشاط السيبراني، نظراً لأن الإبلاغ التقليدي عن الحوادث بطيء جداً.
6. طائرات الدرون: الكلمة الأبرز في مجال الدفاع (Drones: The Defence Buzzword)
تعتبر "الدرونز" الثورة الحالية في التكتيكات العسكرية، لكنها تفرض تحديات لوجستية وتقنية ضخمة. تُحدث الأنظمة غير المأهولة والذكاء الاصطناعي تحولاً جذرياً؛ فقد أصبح عمر التكتيك العسكري قصيراً جداً.
"التكتيكات والتدابير المضادة في ساحة المعركة تتغير خلال أيام أو أسابيع، مما يجعل الدروس المستفادة متقادمة بسرعة مذهلة"
- الدروس المستفادة من أوكرانيا: "أظهرت الحرب في أوكرانيا كيف وسعت الطائرات الرخيصة نطاق القتل وعقدت عمليات الإخلاء الطبي بشكل لم يسبق له مثيل" لكنها أظهرت أيضاً قيوداً ضد الأهداف المحصنة وضعفاً في بيئات الحرب الإلكترونية.
بعيداً عن الدرونز، هناك دروس تقنية أخرى:
- الحرب الإلكترونية (Electronic Warfare) أصبحت البيئة "مشوشة" لدرجة أن العديد من الأسلحة الذكية الغربية فقدت فاعليتها، مما يتطلب العودة إلى أنظمة أكثر مرونة ومقاومة للتشويش.
- كذلك تمت الإشارة إلى "أيام عرض الأفكار" (Pitch Days) التي تنظمها الشركات الناشئة، حيث يتم تبني حلول برمجية طورها مبرمجون مدنيون لاستخدامها في توجيه النيران أو إدارة اللوجستيات العسكرية.
- ناقش الخبراء الحاجة إلى سلاح رخيص وفعال مع ضرورة الحفاظ على "مزيج عالي-منخفض" (High-Low Mix)؛ أي الموازنة بين الأنظمة عالية الدقة باهظة الثمن، والطائرات الرخيصة التي تُنتج بكميات ضخمة لتشتيت دفاعات العدو وهو ما تمت تسميته بـ الكم مقابل الدقة (Mass vs Precision).
- كل طائرة بدون طيار يتم نشرها تستدعي تطوير نظام مضاد لها؛ لذا تم التأكيد على استخدام هياكل مرنة تدمج أجهزة الاستشعار والمؤثرات الحالية لتقليل تكاليف الاستثمار المتكررة.
بناءً على ما سبق يمكن تلخيص خارطة الطريق المستقبلية في البدء في إنتاج وتجربة الأنظمة فوراً وتطويرها أثناء العمل (Iteration) بدلاً من انتظار الأنظمة المثالية التي تستغرق سنوات، السعي للشراكة العابرة للحدود فلا يمكن لدولة واحدة تحقيق "السيادة المطلقة"، والحل هو "السيادة المشتركة" مع الحلفاء الموثوقين وتكامل سلاسل الإمداد. والاستعداد الرقمي عبر دمج بيانات القطاع الخاص مع مؤسسات الدفاع القومي لإنشاء "رؤية فورية" للهجمات السيبرانية قبل وقوع الكوارث.


