المقدمة
تُعدّ الإشاعة في السياق السوري أكثر من مجرد خبر زائف؛ فهي أداة قادرة على التأثير في العلاقة بين المجتمع وجهاز الأمن، أو حتى إرباك بُنيته الداخلية، وتشويه صورته أمام المواطنين. ومع الوضع الانتقالي للمؤسسات الأمنية الناشئة في سوريا الجديدة، يصبح أثر الإشاعة مضاعفًا، إذ لا يقتصر على تعطيل الاستجابة الميدانية أو استنزاف الموارد، بل يمتد ليقوّض الثقة والولاء المؤسسي، ويضع الجهاز في مواجهة مباشرة مع المجتمع الذي يفترض أن يحميه.
من هنا تنطلق هذه الورقة لتحليل انعكاسات الإشاعة على أداء الأجهزة الأمنية الجديدة، وسبل الحدّ من آثارها السلبية.
تُعدّ الإشاعة في السياق السوري أكثر من مجرد خبر زائف، فهي أداة قادرة على التأثير في العلاقة بين المجتمع وجهاز الأمن.
الإشاعة كسلاح سياسي وأمني: من البعث إلى الثورة وما بعدها
منذ استيلاء حزب البعث على السلطة عام 1963، تحولت الإشاعة إلى أداة مركزية في إدارة الشأن الأمني والسياسي والاجتماعي السوري، ثم تطورت بعد انقلاب حافظ الأسد عام 1970 لتصبح جزءًا من نظام أمني شمولي يسيطر على جميع مناحي الحياة. وقد استُخدمت الإشاعة آنذاك لتخويف المجتمع عبر تضخيم قدرات الأجهزة الأمنية، وتشويه صورة المعارضين باتهامات بالخيانة أو العمالة أو الفساد، مع تبني إستراتيجية "صنع العدو" التي اتهمت خصوم الحكم بالطائفية والإرهاب، فيما جرى تخويف الأقليات عبر سرديات ممنهجة، لتغدو الإشاعة وسيلة ثابتة لإخضاع المجتمع عبر الخوف والترهيب1.
مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، وتصاعد انفتاح الفضاء الإعلامي، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي المصدر الرئيسي للمعلومات، وهو ما ساعد المواطنين عمومًا في الوصول إلى الحقيقة في كثير من الأحيان وساهم ذلك في تعرية الأجهزة الأمنية بشكل واضح أكثر من الحالة السرية التي كانت تحيط بها نفسها تلك الأجهزة.
في المقابل، انفجر المحتوى المضلل، وانتشرت الجيوش الإلكترونية والحسابات الوهمية التي تدير حملات تضليل ممنهجة، تبث رسائل متناقضة تستهدف شرائح مختلفة من المجتمع، مما عمّق الانقسام المجتمعي، وذلك ما فرض الحاجة لبذل جهود إضافية لإعادة بناء الثقة من نقطة الصفر.
بعد سقوط نظام الأسد، شهدت سوريا زيادة غير مسبوقة في حجم الشائعات وانتشارها، نتيجة هشاشة الوضع الأمني والإعلامي، فأصبحت الإشاعات تنتقل بسرعة أكبر عبر شبكات التواصل، مع تضخيم الحوادث الأمنية وتوظيف المعلومات المغلوطة لأغراض سياسية وطائفية، ولم تكن الإشاعة التقليدية هي المسيطرة، بل توسعت لتشمل التزييف الرقمي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، مثل الصور والفيديوهات المولدة، التي يصعب تمييزها عن الحقيقة، ما زاد من تفاقم الانقسام المجتمعي وقوض محاولات بناء الثقة في الأجهزة الأمنية2.
بعد سقوط نظام الأسد، شهدت سوريا زيادة غير مسبوقة في حجم الشائعات وانتشارها، نتيجة هشاشة الوضع الأمني والإعلامي.
تأثير الإشاعة على أداء الأجهزة الأمنية الجديدة
تشكّل الشائعات تحديًا جوهريًا أمام عمل الأجهزة الأمنية والشرطية المنشأة حديثًا، إذ يمكن أن تدفع هذه الأجهزة إلى استنفارات ميدانية غير مبررة، أو إلى تحريك القوات نحو مواقع لا وجود للخطر فيها، أو إلزامها بالتحقق من بلاغات كاذبة تستنزف وقتها وجهدها ومواردها المحدودة3، حيث جرت عدة استنفارات في الساحل بناءً على معلومات عن تحركات لفلول النظام تتخذ من منصات التواصل مسرحًا لها، اكتشف كذبها لاحقًا4، كما انتشرت إشاعات عن عمليات خطف تستهدف نساء من طائفة محددة، وهو ما نفته وزارة الداخلية بعد تحقيقات موسعة استهلكت بلا شك وقتًا وجهدًا كان يمكن توجيهه نحو تهديدات حقيقية بدلًا من ملاحقة أخبار زائفة5.
كما أن استجابة أجهزة الأمن لمعلومة غير دقيقة أو بلاغ كاذب يترك أثرًا مباشرًا على صورتها أمام المواطنين. فعندما يكتشف الناس أن قوات الأمن تحركت بناءً على إشاعة لا أساس لها، يتولد شعور عام بعدم الكفاءة ويترسخ الانطباع بأن أجهزة إنفاذ القانون عاجزة عن التحقق من صحة المعلومات قبل التحرك.
أيضًا يؤدي تواتر الشائعات عن تجاوزات أو عنف شرطي إلى إشعال غضب شعبي متصاعد، يضاعف من حدة العداء تجاه الأجهزة الأمنية الناشئة، ويقوّض قدرتها على أداء مهامها. فقد شهدت البلاد عشرات الأمثلة على مثل هذه الروايات، بدءًا من شائعات الإعدامات الميدانية ذات البعد الطائفي بعد الإطاحة بنظام الأسد6، مرورًا بادعاءات استهداف الكوادر مثل حادثة مشفى المواساة حين اتُّهم الأمن العام باقتحام المشفى وقتل طبيب، ليتضح لاحقًا أنها رواية مختلقة7، وصولًا إلى مقاطع مُضللة انتشرت على نطاق واسع تُظهر عناصر الأمن وهم يزيلون أشجار الميلاد بهدف تأليب المكوّن المسيحي، أو يتجاوز الأمر إلى اتهامات بتدنيس المقامات الدينية، وهي روايات سرعان ما أشعلت احتجاجات في بعض المناطق واتضح زيفها بعد التدقيق بالفيديوهات8.
يؤدي تواتر الشائعات عن تجاوزات أو عنف شرطي إلى إشعال غضب شعبي متصاعد، ويقوّض قدرة الأجهزة الأمنية على أداء مهامها.
كما ظهرت لاحقًا موجة من التضليل ارتبطت بمظاهرات نظّمها أبناء الطائفة العلوية لطرح مطالب سياسية، حيث جرى تداول إشاعات عن قيام الأجهزة الأمنية باستهداف تلك التحركات وتبيّن أنها مجرد شائعات بلا أدلة9. هذه الأمثلة تكشف كيف تتحول الإشاعة إلى أداة خطيرة قادرة على زعزعة السلم الأهلي، وتضع الأجهزة الأمنية في صورة مواجهة مباشرة مع المجتمع الذي يفترض أن تحميه.
في السياق ذاته، تُعد الشائعات من أخطر العوامل التي تُربك مسار التحقيقات الجنائية، إذ يمكن أن تدفع أجهزة إنفاذ القانون إلى اتباع خيوط وهمية أو مطاردة مشتبه بهم لا علاقة لهم بالقضية، مما يستهلك الوقت والموارد ويؤخر الوصول إلى الحقيقة. فحين تنتشر روايات غير دقيقة عن هوية الجناة أو طبيعة الأدلة، يجد المحققون أنفسهم أمام ضغوط مجتمعية وإعلامية تدفعهم إلى التحقق من مسارات لا أساس لها، وهو ما يفتح الباب أمام تضليل العدالة ذاتها.
أيضًا، قد تتأثر المحاكم والشهود بهذه الشائعات، فتتشكل قناعات زائفة تؤثر على سير المحاكمة ونتائجها. وتلعب حداثة المؤسسات الأمنية والقضائية بعد سقوط النظام دورًا في مضاعفة خطر الشائعات، لأنها لا تقتصر على إرباك التحقيقات، بل قد تُستخدم كأداة سياسية أو طائفية لتشويه صورة الأمن أو لتوجيه العدالة نحو أهداف غير محايدة، مما يقوّض شرعية الجهاز الأمني ويضعف ثقة المجتمع في العدالة.
ويمكن لإشاعة واحدة عن انفجار أو هجوم وشيك أن تكون كفيلة بإشعال شرارة الفوضى في المجتمع، إذ تنتشر بسرعة عبر وسائل التواصل، لتتحول في دقائق معدودة إلى حالة ذعر جماعي. يتدافع الناس في الشوارع، ويغادرون الأماكن العامة خوفًا من خطر غير موجود، فتتعطل حركة المرور، وتُشل الخدمات الحيوية، ويُصاب النظام اليومي بالارتباك10.
وقد شهدت دمشق في حي المزة مثالًا حيًا على ذلك، حين تناقلت وسائل التواصل خبرًا عن انفجار كبير في حزيران 2025، ما دفع الأهالي إلى مغادرة الشوارع والمحال التجارية وسط حالة ارباك واسعة، قبل أن تؤكد السلطات لاحقًا أن الصوت ناجم عن تدريبات عسكرية وليس هجومًا11. وهنا تكمن خطورة الشائعات؛ فهي لا تقتصر على نشر أخبار زائفة، بل تُعيد تشكيل سلوك الجماهير وتفرض على الأجهزة الأمنية استجابات عاجلة قد تستنزف مواردها وتربك خططها.
يمكن لإشاعة واحدة عن انفجار أو هجوم وشيك أن تكون كفيلة بإشعال شرارة الفوضى في المجتمع.
الانعكاسات الداخلية للشائعات على بنية الأجهزة الأمنية وأدائها
تُظهر طبيعة الشائعات داخل المؤسسة الأمنية أنها لا تقتصر على إرباك الاستجابة الميدانية، بل تمتد لتؤثّر بعمق على بنيتها الداخلية وأداء ضباطها. إذ يمكن للشائعة أن تُضعف الروح المعنوية عبر خلق مناخ من الشك وفقدان الثقة بين العناصر، كما حدث في تداول إشاعات تزعم أن الأمن الداخلي يعتقل عناصر من فصائل تابعة للجيش الوطني سابقًا؛ ورغم عدم تأكيدها12، فإنها تولّد حالة من الريبة وتغذّي المخاوف من وجود صراعات داخلية.
لا يقتصر الأمر على ذلك، فانتشار أخبار غير مُثبتة حول فساد أو خيانة داخل المؤسسة قد يربك القيادة نفسها ويهزّ صورتها أمام مرؤوسيها، خصوصًا في ظل وجود حسابات مزيفة تبث تصريحات منسوبة إلى القيادات الأمنية13 بهدف تشويه السمعة وإضعاف المعنويات داخل صفوف الضباط والعناصر.
وينطبق الأمر ذاته على شائعات ذات طابع اجتماعي أو أيديولوجي، مثل الادعاء بأن قوى الأمن الداخلي في حمص تُلزم عناصرها بالصلاة أو حضور دروس شرعية14، وهي روايات قد تثير جدلًا داخليًا، وتضعف الانضباط، وتُحدث انقسامات بين العناصر، وتؤثر على الرغبة بالانضمام لها بوصفها جهازًا وطنيًا محايدًا.
أما على مستوى الولاء المؤسسي، فإن الشائعات المتعلقة بمنح مالية تَبيَّن لاحقًا عدم صحتها15، تخلق شعورًا بالخذلان لدى العناصر، وتُضعف ثقتهم بقيادتهم، مما يهدد ارتباطهم بالمؤسسة ويجعلهم أكثر ميلًا للتشكيك في جدوى الاستمرار ضمنها.
خلاصة وتوصيات
تكشف التجربة السورية أن الإشاعة ليست مجرد خبر زائف، بل أداة قادرة على تقويض شرعية الأجهزة الأمنية وإضعاف ثقة المجتمع بها، خصوصًا في المراحل الانتقالية التي تتسم بالهشاشة. لذلك فإن مواجهتها تتطلب رؤية شاملة تتجاوز الردود الإعلامية السريعة، وتبني منظومة مؤسسية متكاملة.
أول ما تحتاجه الأجهزة الأمنية هو تأسيس وحدة متخصصة لرصد الشائعات والتحقق منها بشكل فوري، بحيث تتحول إلى مرجع موثوق للمواطنين في أوقات الأزمات، وتصدر بيانات علنية سريعة تحد من انتشار الأخبار الزائفة. هذا الإجراء يقطع الطريق أمام التضليل ويمنح المؤسسة الأمنية القدرة على التحكم في الفضاء المعلوماتي بدل أن تكون رهينة له16.
تكشف التجربة السورية أن الإشاعة ليست مجرد خبر زائف، بل أداة قادرة على تقويض شرعية الأجهزة الأمنية.
في الوقت نفسه، يصبح الاستثمار في حملات توعية مجتمعية أمرًا لا غنى عنه. فتعزيز الثقافة الإعلامية والقدرة على التحقق من الأخبار بين المواطنين يخلق مناعة مجتمعية ضد التضليل، ويقلل من قابلية المجتمع لتصديق الشائعات أو الانجرار وراءها، لتقليص الفجوة بين المواطن والمؤسسة الأمنية17.
كما أن تطوير قدرات الأجهزة الأمنية في إدارة المعلومات والأزمات يمثل خطوة أساسية. تدريب الضباط على كيفية التعامل مع الأخبار الكاذبة دون استنزاف الموارد أو إرباك الخطط يرفع من كفاءة المؤسسة ويمنحها القدرة على التمييز بين التهديدات الحقيقية والمفتعلة18.
وأخيرًا، فإن بناء شراكات مع الإعلام الحكومي والمستقل بالإضافة للمجتمع المدني يشكل ركيزة أساسية في هذه المعركة. فشبكة تحقق جماعية تكشف التضليل وتدعم الثقة الشعبية بالأجهزة الأمنية، وتحوّل الإعلام من خصم محتمل إلى شريك في حماية السلم الأهلي وهي الغاية الأساسية التي توجد من أجلها هذه الأجهزة19.
إن مواجهة الإشاعة في سوريا ليست مجرد مهمة تقنية، بل اختبار لقدرة الدولة على ترسيخ ثقافة جديدة قائمة على الوضوح والمساءلة. وعندما يشعر المواطن أن المعلومات متاحة وأن المؤسسة الأمنية لا تخفي الحقائق، يصبح تأثير الشائعات محدودًا، وتتحول من أداة تهديد إلى فرصة لإثبات جدية الإصلاح وبناء شرعية مستدامة.


