مثّل الحدث الذي وقع مدينة السقيلبية مساء يوم الجمعة الموافق لـ 27 آذار/ مارس 2026 والذي استمرّ حتى منتصف يوم السبت الموافق لـ 28 آذار/ مارس 2026، واحدًا من سلسلة أحداث أخذ فيها الاشتباك الداخلي/ المجتمعي بُعدًا طائفيًّا وعِرقيًّا، وتضخيمه بحملة على وسائل التواصل الاجتماعي، وانتقل الأمر لتتصدّره تصريحات مسؤولين غربيين عمّا حدث في المدينة.
وعلى الرغم من أن الحادثة بدأت بشجارٍ فرديّ ثم تطورت إلى هجوم مدفوع بالثأر، إلا أن القضية أخذت بُعدًا طائفيًّا. وبالرغم من التقصير الأمني في الساعات الأولى، فإن الفراغ المعلوماتي خلق فرصةً كبيرة لتحويل ما جرى إلى صراع طائفي، قدّم على أنه استهداف للمسيحيين بسبب "معتقداتهم".
تقع مدينة السقيلبية في ريف محافظة حماة، وهي بلدة مسيحية تسكنها طائفة الروم الأرثوذكس، وتتبع لمنطقة سهل الغاب، وهي البلدة الوحيدة المسيحية في تلك المنطقة، إذ تُعتبر مركز منطقة الغاب، كما تتجمع فيها دوائر الدولة والمؤسسات الرسمية والمستشفى الرئيسي. وتحتوي منطقة سهل الغاب على خليطٍ طائفي يشمل المسلمين السنة والمسيحيين والعلويين والمرشدين.
رصد المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع "مسداد" مئات المنشورات والتغريدات المرتبطة بأحداث السقيلبية، بهدف تكوين صورة واضحة عمّا جرى في المدينة.
اندلعت الأحداث بسبب خلاف بين مجموعة من الشباب القادمين من بلدة قلعة المضيق، وآخرين من مدينة السقيلبية. حيث وقعت في البداية مشادّة في شارع يُدعى "شارع المشوار" الذي يُعتبر متنفّسًا للمراهقين والشباب، ويحتوي على أسواق ومحال تجارية ومقاهي، وهناك وقع خلاف بين مجموعة من الشباب، لم يُعرف سببه بالتحديد، لكن عدّة حسابات محلية في المدينة أشارت إلى أنّ شبّان القلعة تحرّشوا بفتيات من السقيلبية في الشارع المذكور، الأمر الذي دفع شبّانًا من المدينة إلى التدخل ليندلع بعدها شجار، أدّى إلى إصابة شاب من قلعة المضيق برأسه ليُنقل إلى المستشفى أُسعف على إثرها إلى المستشفى. بعد هذه الحادثة، حضرت القوى الأمنية إلى المنطقة، واعتقلت شبّان من السقيلبية ممّن بادروا بضرب الشاب القادم من قلعة المضيق.
ماذا جرى بعدها على الأرض؟
في الساعة العاشرة ليلًا من اليوم نفسه، بدأت تُنشر مقاطع مصوّرة على مواقع التواصل الاجتماعي، تُظهر هجومًا بالدراجات النارية قام به شبّان من بلدة قلعة المضيق على مدينة السقيلبية، كنوع من الثأر للشاب الذي تعرّض للإصابة.
كان أول الفيديوهات التي نشرتها إلى مجموعة (Independent News Teams - INT) الإخبارية السورية، يظهر شبابًا يدخلون إلى مدينة السقيلبية بالدراجات النارية، وأحدهم يقول بالفيديو "جايكم يا سقيلبية.. الله حيو شباب القلعة" الأمر الذي يُشير إلى أن طابع الهجوم يحمل حتّى تلك اللحظة ثأرًا شخصيًّا للشاب الذي تعرّض للإصابة. 1
بعدها نشرت "شبكة أخبار السقيلبية" المحلية، مجموعة فيديوهات، يظهر فيها استخدام أسلحة بيضاء لتكسير المحال التجارية والاعتداء على المرافق الأساسية في المدينة.
في أحد الفيديوهات، التي نقلتها "راديو حماة - سهل الغاب" المحلية يظهر مجموعة شبّان يقتحمون محلًّا تجاريًّا وممتلكات خاصة ويقومون بعملية تكسير وأضرار داخل المحل.
وفي إحدى مراحل الحدث بدا أن دورية من الأمن العام كانت تسير إلى جانب المهاجمين، في مشهدٍ عكس عجزها عن الأعداد الكبيرة أو حتى تراخيها في التصدي لهم، وذلك وفقًا لمقطع فيديو نشرته مجموعة INT الإخبارية السورية.
أظهر فيديو آخر، نقلته ذات المجموعة، مركبةّ تتبع الأمن العام كانت موجودة خلال الهجوم على إحدى الحارات الضيقة في مدينة السقيلبية، ولم يُظهر الفيديو ما كان يقوم به العناصر، لكنّ انسحاب المهاجمين من الحي بالتزامن مع مسير قوات الأمن العام قد يُشير إلى محاولتهم التهدئة بالحوار دون الحاجة إلى التدخل بقوّة أمنيّة.
وبمقارنة هذا الفيديو بواحدٍ آخر نشره الصحفي السوري عمر البم، تبيّن أن السيارة ذاتها تعود إلى أحد سكان السقيلبية، وهو صيدلاني بيطري يُدعى أبو عيسى. وبمقارنة الأدلة البصرية هي نفسها سيارة أبو عيسى، إذ قُدّرت خسارته في تلك الليلة بنحو 10 آلاف دولار بعد تحطيم سيارته وسيارات أولاده.
في المقابل، عرضت وسائل الإعلام المختلفة وغير الرسمية مبالغات في نقلها للمقاطع المصوّرة ووصفها للحدث، واعتباره كما لو أنه هجوم واسع على مدينة السقيلبية، في حين جاءت الرواية الإعلامية الرسمية أقلّ تهويلًا، وعكست أن الوضع مُسيطر عليه في بعض المناطق، ولا سيما في "شارع المشوار" الذي بدأت منه الأحداث، وذلك وفقًا لفيديو نشره الإعلامي أحمد الهويش.
كما نقلت وكالة الأنباء الرسمية السورية "سانا"2 عن مصدر في قوى الأمن الداخلي، أن قوات الأمن تدخلت لفض مشاجرة جماعية3 في منطقة السقيلبية4 بريف محافظة حماة5 نشبت بين عدد من الشباب، مشيرًا إلى أن الوحدات المختصة تمكنت من احتواء الموقف وإعادة الهدوء إلى المنطقة، بعد توقيف 6 أشخاص من المتورطين.
إضافة إلى ما سبق عقدت "إدارة منطقة الغاب" اجتماعًا6 في مدينة السقيلبية ضمّ وجهاء من المدينة وبلدة قلعة المضيق وممثلين عن إدارة المنطقة ومجلسي الصلح والعشائر، بهدف معالجة الإشكال الذي شهدته المنطقة واحتوائه ضمن الأطر القانونية والمجتمعية.
وفي اليوم التالي الموافق لِ 28 آذار/ مارس 2026، انتشر7 عناصر قوى الأمن الداخلي في محيط كنيسة القديسين بطرس وبولس ومناطق أخرى في مدينة السقيلبية. ويبدو أن هذا الانتشار قد أسهم في منع التوتّر مرّة أخرى، إذ نجحت القوى الأمنية في اليوم التالي بإحباط هجومٍ آخر على مدينة السقيلبية شنّه شبّان بدافع الثأر.
وفي سياق الاستثمار في تأزيم الحدث، نقل الإعلامي رضا الباشا الذي كان يعمل مراسلًا لقناة الميادين اللبنانية والمعروف بنشاطه الإعلامي المؤيد لإيران، مقطعًا مصوّرًا التقطه السكان المحليون في المدينة يُظهر محاولة أخرى لمجموعة شبّان يركبون دراجات نارية لاقتحام المدينة في صباح اليوم نفسه.
غير أن عملية البحث عن المقطع سابق الذكر، قادتنا إلى فيديو آخر في نفس المكان والزمان، لكنه يُظهر تصويرًا معاكسًا قام به شخص يتواجد جهة المهاجمين، لتظهر به سيارات الأمن بوضوح وهي متمركزة بكثافة على مدخل مدينة السقيلبية لمنع عودة التوتّر إليها.
وبحسب ما نقلت صحيفة "عنب بلدي"8 المحلية عن مطاران حماة نيقولاوس بعلبكي، فإن الحكومة وعدت بالمحاسبة والتعويض عن الأضرار التي حصلت واتخاذ إجراءات تمنع تكرار مثل هذه الأحداث.
تضخيم للوقائع
بحسب أحد روايات الأهالي، نقلها الناشط إياد شربجي، فإن هذه المشكلة ليست الأولى من نوعها، بل تكرّرت مرارًا خلال الفترة السابقة، لكنّها المرة الأولى التي تتطور فيها إلى هذا الحد، وهو ما يُشير إلى طبيعة استمرار التوتّرات بين الشبان في شارع المشوار أو أماكن أخرى، ولا سيما مع اضطرار جميع السكان المحليين في قرى الغاب إلى المجيء لمدينة السقيلبية من أجل إجراء المعاملات الحكومية أو زيارة المستشفيات.
لفهم كيف تم استغلال هذه الأحداث على مواقع التواصل الاجتماعي، لأغراض تدعم التحريض وخطاب الكراهية، اطّلعنا على أبرز التغريدات المرتبطة بأحداث السقيلبية.
إذ كانت أبرز التغريدات المنشورة عن أحداث السقيلبية خلال تلك الفترة تركّز على إضافة سياقٍ طائفيّ دينيّ على الأحداث، وأن الهجوم استهدف مدينة مسيحية لمجرّد اعتناقها أهل هذه المدينة الديانة المسيحية، دون الإشارة إلى سياق أنّ ما جرى بدأ بمشاجرة شخصية بين مجموعتين من الشبان.
صورة 1: تغريدة للإعلامي المقرب من النظام السابق وحيد يزبك تحمل تضخيمًا لأحداث مدينة السقيلبية | المصدر: موقع X
كما ذهبت بعض التغريدات إلى الحديث عن تغيير ديموغرافي9 مسيحي يقوم به إسلاميون، وحصدت مشاركات واسعة.
صورة 2: تغريدة مضللة تتحدث عن تغيير ديموغرافي في مدينة السقيلبية | المصدر: موقع X
وعلى الرغم من أن الهجوم جاء في سياق مشاجرة وثأر، ولم يكن حالةً عامّة، إلا أن تغريدات أخرى تحدّثت عن "استباحة المدينة بالكامل".
#خطير_جداً ❌ ❌ 👇
— جوكر الثورة (@Joker2977) March 27, 2026
🤔مشاهد من الهجوم المسلّح من قبل أتباع الجولاني الرجيم على #السقيلبية بريف حماه وإستباحة البلدة بالكامل. pic.twitter.com/OTykc6PhKG
صورة 3: تغريدة مضللة تتحدث عن استباحة كاملة لمدينة السقيلبية | المصدر: موقع X
تزامنًا مع ذلك، ظهرت أخبار مضللة مرتبطة بأحداث السقيلبية، من بينها ما يفيد بأن وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، وهي الوزيرة المسيحية الوحيدة في الحكومة السورية، قدّمت استقالتها احتجاجًا على ما جرى في السقيلبية، لكن هذه الأخبار لا أساس لها.
وتناقلت مواقع التواصل الاجتماعي، مقطع فيديو آخر لفضيل "العملات" الذي كان جزءًا من المعارضة السورية، وهو يُلقي قصيدة ذات طابع ديني وقيل إنّه تهديدٌ لأهالي السقيلبية، غير أن مقطع الفيديو يعود إلى عام 2024.
كما نُسبت تصريحات مغلوطة على لسان البطريرك يوحنا العاشر يازجي قائلًا أن "الشرع" خدعه بعد أن وعده بحماية المسيحيين، لكنّ التصريح لم يكن له أي أساس.
إضافة إلى ما سبق صدر تقرير10 عن وحدة “مكافحة تضليل المعلومات” في إدارة الإعلام الرقمي التابعة لوزارة الإعلام حول الأحداث التي شهدتها مدينة السقيلبية. وكشف التقرير أن النشاط الرقمي الذي أعقب الحادثة كان مختلفًا تمامًا عن مجرياتها الميدانية.
وبحسب التقرير فإن الانتهاكات في الموجة الأولى شملت تضخيمًا متعمدًا للحدث عبر منصات التواصل، حيث انطلقت وسوم تحريضية تزامنًا مع وقوع الشجار، وتجاوز عدد التغريدات على منصة "إكس" أكثر من 12 ألف تغريدة خلال ساعات قليلة، إضافة إلى ذلك بلغ عدد المنشورات على موقع (الفيسبوك) 5846 منشورًا اتّسمت بتكرار الصياغات والعبارات، ما يعكس أنماط نشر موجّهة.

