كتب هذا المقال الباحث التحليلي السيد جريجوري واترز، وتمت ترجمته إلى اللغة العربية، وتم نشره في 15 يوليو 2025 على موقع مركز الأبحاث كارنيغي للسلام الدولي.
رابط المقال الأصلي
https://carnegieendowment.org/research/2025/07/local-governance-in-post-assad-syria-a-hybrid-state-model-for-the-future?lang=en
مقدمة المترجم:
يقدّم هذا النص ترجمة لمقال الباحث التحليلي السيد جريجوري واترز. هذا المقال هو مقال توثيقي تحليلي يستعرض واقع الحكم المحلي في سوريا بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، مع التركيز على نموذج "الدولة الهجينة" الذي يتشكل فعلياً على أرض الواقع. اعتمد كاتب المقال على عمل ميداني موسّع وشهادات مباشرة من مختلف المناطق السورية خلال الأشهر الستة التي أعقبت التغيير، مع ذكر بعضاً من الأوضاع فيما كانت عليه ما قبل سقوط الأسد بهدف شرح الاختلاف في بعض النواحي.تكمُن أهمّية هذا التوثيق في:
● رصد التحولات الهيكلية: توثيق التفاعل بين هياكل الدولة المركزية الناشئة والمبادرات المحلية التي تشكلت لملء الفراغ الإداري والأمني.
● تحليل النماذج الفعلية: دراسة حالات من مناطق مثل القلمون والسلمية وطرطوس، التي طورت أنظمة حكم محلية هجينة تجمع بين التمثيل الشعبي والهياكل الحكومية.
● استخلاص الدروس العملية: تقديم رؤى مستندة إلى وقائع ميدانية حول الحفاظ على السلم المدني، تطوير أنظمة العدالة البديلة، تمثيل الأقلّيات، وتحديات إدماج الأقليات في هياكل الحكم والأمن بِلا إقصاء لأيّ مُكوِّن من مكونات المجتمع السوري.
تأتي ترجمة هذا التحليل إلى العربية للمساهمة في فهم التعقيدات التي تواجه عملية إعادة بناء الدولة السورية على أُسس تجمع بين الإدارة المركزية والمبادرات المحلية.
الملخص:
بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، نشأ شكل هجين من الحكم - ليس مركزياً، ولا غير مركزي - في مختلف أنحاء سوريا. تجمع هياكل الحكم الهجينة بين عناصر الحكم المركزي والمبادرات الشعبية والقدرة على التكيف على المستوى المحلي. يجب على دمشق أن تتوسع في تلك النماذج مع استمرارها في تطوير مؤسسات الدولة. بينما هناك تحديات كبرى تستمر في التأثير على الخدمات، السِلم المدني، ويجب أن تُعالج بشكل سريع وحاسم.المواضيع الرئيسية:
● ورثت السلطات الجديدة دولة معطلة وفاسدة، خالية من الموارد البشرية والماديّة، مما يجعل إعادة بنائها تتطلب جهداً هائلاً.● في ظل الفراغ الأمني والإداري بعد الأسد، أنشأ السكان المحليون مجالسهم وشبكاتهم الخاصّة بهدف الحفاظ على الأمن السلمي وتوفير الخدمات الأساسية.
● تلك الشبكات المحلية اندمجت تدريجياً مع الهياكل الإقليمية الإدارية المُنشأة من قِبَل السلطات الجديدة في دمشق، بدرجات متفاوتة من النجاح.
● لا يزال الأمن مسألة خلافية، حيث تحاول دمشق فرض سيطرتها على جميع الجماعات المسلحة، مستمرةً بتأخير ضم الأقليّات في قوات الأمن المحليّة، مما يَنتُج عنه تفاقم التوتر في الساحل السوري.
● يظلّ نظام العدالة التي تديره الدولة معرقل بشدّة، مما دفع السكان المحليين إلى إنشاء نماذج عدالة بديلة. قد خفف هذا الأمر بعض الضغوط، ولكنه أدى أيضاً إلى تقويض سلطة الدولة.
الاقتراحات:
● يعتمد نجاح الحكومة الهجينة على المسؤولين الإقليميين ذوي التفكير المستقبلي الذين يعملون مع شبكات المجتمع المدني الفعّالة. يجب على دمشق النظر في تلك الأقاليم التي قد نجح فيها الحكم الهجين بحثاً عن نماذج يمكن توظيفها في مناطق أخرى.● مازال المجتمع المدني المحلي، بشكل عام، يعاني من نقص الوضوح من جانب دمشق فيما يتعلق بشرعية أنشطته. ويستغل بعض المسؤولين تلك المناطق الرمادية لقمع الشبكات المدنية، بينما يحتضنها مسؤولون آخرون. على دمشق أن توضّح موقفها بشأن المجتمع المدني، تحديداً في مناطق الأقليّات، وفرض السلوك اللائق على مسؤوليها الإقليميين.
● لن تُحلّ مشكلة دمشق في دمج المجموعات المعارضة المسلحة السابقة بين عشيّة وضحاها. ومع ذلك، فإن دمج المجتمعات الأقليّة في هياكل أمنية محلّيّة من شأنه أن يساعد في تخفيف بعضٍ من الضغوط على وزارة الدفاع ووزارة الداخلية، مِما يُقلل من اعتمادهم على مجموعات المعارضة السابقة غير المنضبطة، مع تحسين الثقة بين مسؤولي الأمن الإقليمي والمجتمعات الأقليّة.
● يجب على دمشق تحديد ومعالجة العوامل الكامنة وراء خلل قطاع العدالة. إعادة فتح المحاكم في جميع أنحاء البلاد -ليس فقط في العواصم الحاكمة- وبدء عملية العدالة الانتقالية الشاملة والشفّافة، أمر بالغ الأهميّة لتخفيف التوترات الاجتماعية.
مقدمة:
تَركَ انهيار النظام السوري السريع في الثامن من ديسمبر سنة 2024، المجموعة المعارضة المسلحة "هيئة تحرير الشام" منتصرة، والتي كانت مقتصرة على حكم جيب إدلب الذي يسيطر عليه المتمردون من خلال "حكومة الإنقاذ السورية"، مع القليل من الوقت لإعداد هيكل حكم على مستوى البلاد. واجهت الحكومة المؤقتة، التي عيّنتها هيئة تحرير الشام في البداية لإدارة البلاد، مجموعة من التحدّيات المترابطة، تحديداً فيما يتعلق بالإدارة المحلّيّة، الأمن، والعدالة. كما عانت بشدّة من نقص الموارد المالية والبشرية،دفع الضعف الهيكلي للدولة المركزية، إلى جانب قوة الفصائل السياسية والعسكرية الإقليمية الخارجة عن سيطرتها، السلطات إلى تبنّي نهج ارتجالي في الحكم. سواءٌ بدافع الرغبة أو الضرورة، وصلت كلٌ من حكومة تصريف الأعمال والحكومة المؤقتة إلى اتفاقيّات مع المجتمعات الأقلية السورية والجهات السياسية الفاعلة خارج نطاق هيئة تحرير الشام بهدف المساعدة في استقرار مناطق معينة. تكشف هذه المرونة عن جانبين في عملية بناء الدولة السورية في أعقاب سقوط النظام مباشرةً. فمن ناحية ، أدركت هيئة تحرير الشام ضرورة العمل من خلال مؤسسات محلية بسبب أوجه القصور التي تعاني منها. ومن ناحية أخرى، استطاعت الجماعات المحلية والمجتمع المدني إيجاد دور لأنفسهم في إدارة مناطقهم.
النتيجة هي نظام دولة هجين، وخاصةً فيما يتعلق بالإدارة، الأمن، والعدالة مع اختلاف هذه القطاعات في درجات اللامركزية. ركزت دمشق الكثير من جهودها، في الأشهر الأولى بعد الثامن من ديسمبر، على التعامل مع المجتمع الدولي وكذلك إعادة بناء هياكل الدولة المركزية لتوسيع نطاقها من المراكز الحضرية إلى الخارج.3
قامت الكثير من المجتمعات المحلية، التي تواجه احتياجات ملحّة، للحفاظ على الخدمات الأساسية والسلم المدني، بإنشاء أنظمتها الخاصّة في هذا الفراغ، بما في ذلك نماذج العدالة البديلة للمحاكم المثقلة بالعمل، أو غير العاملة. ولم يكن لدى السلطات الجديدة خيار سوى التفاعل والعمل من خلال هذه الأنظمة الجديدة، وهذا ما عزّز مشاركة أطراف غير تابعة لهيئة تحرير الشام في بناء الدولة في فترة ما بعد الأسد على المستوى المحلّي.4
يتم الآن دمج هذه النماذج الإدارية من القاعدة إلى القمة في هيكل هيئة الخدمات الصحية الوطنية من القمة إلى القاعدة. بالإضافة إلى أن الأولويّات الأمنية في الأسابيع الأولى بعد خروج الأسد تعني أن هيئة تحرير الشام استندت على فصائل المعارضة المتحالفة معها والمستقلة لفرض السلطة في العديد من أجزاء البلاد. وعلى الرغم من أن هذه السياسة ضَمَنَت استمرارية الخدمات الأساسية وعودة مؤسسات الدولة تدريجياً، إلا أنها فشلت إلى حد كبير - وغالباً ما أدت إلى تفاقم - في حل العديد من المظالم المحلية على طول خطوط الصدع العلوية السنية. في الحقيقة، فإن التحديات نفسها، التي أدّت إلى ظهور هذا الهيكل الحكومي الهجين، وفي بعض النواحي تنفيذ أنظمة العدل والأمن، ساعدت في تأجيج العنف في الساحل في مارس. هجمات شنّها مسلحون موالون لنظام الأسد على قوات الأمن، تبعها مجازر ارتكبتها الأخيرة، فضلاً عن فصائل سنيّة مستقلة.
بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، نشأ شكل هجين من الحكم - ليس مركزياً، ولا غير مركزي - في مختلف أنحاء سوريا. تجمع هياكل الحكم الهجينة بين عناصر الحكم المركزي والمبادرات الشعبية والقدرة على التكيف على المستوى المحلي.
على الرغم من صدمة العنف في مارس، استمرت التطورات في الحكم المحلي في أنحاء البلاد مع نتائج إيجابية بشكل كبير. من الواضح أن الحكومة المركزية في دمشق ترى أن إنشاء أنظمة فعّالة، للحكم المحلّي والأمن وأنظمة العدالة، كمفاتيح ليست فقط لتحسين الخدمات الأساسية ووظائف الحكومة، بل وأيضاً للحفاظ على السلم المدني. أكّد الكثير من المسؤولين الإقليميين في المقابلات الحاجة إلى "حل مشكلة عدم الاستقرار الأمني والعسكري" قبل معالجة إعادة تأهيل البنية التحتية والموارد على نطاق واسع.6 الأوضاع الراهنة في أرجاء ثلاث مناطق فريدة -القلمون في دمشق، منطقة السلمية في حماة، ومحافظة طرطوس- بمثابة أمثلة واضحة على نجاحات وعيوب هذه الإستراتيجية، والتي قد تصبح نموذجاً للدولة السورية الناشئة.
النهج التصاعدي والتنازلي في الحوّكمة:
بحلول الوقت الذي تم فيه تعيين المدراء الإقليميين في الكثير من المناطق الريفية في سوريا، وجد العديد منهم شبكات من الهياكل الإدارية المحليّة مُنشَأة بالفعل، وبالتالي تتطور الحوكمة المحلية والإقليمية في سوريا ما بعد الأسد على المستوى الشعبي وفي الوقت ذاته من القمة إلى القاعدة. ، وفي العديد من المجتمعات، يبدو أن هذين النظامين قد اندمجا بشكل جيد إلى حد ما حيث ينسّق المدراء الإقليميين المعينيين مركزياً مع مجموعة متنوعة من الأنظمة الإدارية المحليّة بشكل وثيق. كان هذا الانخراط وديّاً وتعاونياً في المناطق التي زارها الكاتب.ومع ذلك، فإن ضغط الموارد الذي يؤثر على الوزارات المركزية أكثر حدة بالنسبة للمسؤولين الإقليميين، مما يُعيق قدرتهم على الانخراط في أيّ خدمة أساسية أو في مبادرات إعادة الإعمار. كما وصفها أحد المدراء الإقليميين في أوائل شهر مايو "يجب علينا إعادة بناء الدولة قبل أن نتمكن من بناء البِلاد."7 وبالتالي ظلّت الحوكمة الفعلية في أوائل سنة 2025 محدودة من جانب التنسيق الأمني، توفير الخدمات الأساسية، الرقابة، وتقييم الاحتياجات.8 وقد أدّى هذا إلى حالة يشعر بها السكان المحليون بأن لديهم إمكانية الوصول السهل والمفتوح إلى المسؤولين المُعيّنين، ولكنهم أيضاً يشعرون بأن المسؤولين يبذلون جهداً قليلاً لتحسين الأوضاع المعيشية. إضافةً إلى ذلك، قد تمّ إثبات أن هياكل الحكم الجديدة في بعض البلدات والقُرى شاملة لكل السكان، بينما عَمِلَت المبادرات الأخرى على تمكين السكان الأصليين فقط، مما تَركَ النازحين مع تمثيل أقّل بكثير. ولم تتخذ مجتمعات أخرى، وخاصةً بعض مناطق العلويين ولكن ليس كلها، زمام المبادرة لبناء هياكل الحكم المحلي الخاص بها بسبب الافتقار إلى الخبرة في الإدارة الذاتية والنشاط المدني، فضلاً عن الخوف من إثارة غضب المسؤولين الإقليميين المعينين من قبل الحكومة.
تتّخذ الحوكمة المحلية في سوريا اليوم أحد شكلين: رؤساء البلديات والمجالس البلدية في عهد النظام، أو رؤساء البلديات والمجالس المنتخبة بعد 8 ديسمبر. في الحالات التي لم يكترث بها السكّان المحليون باستبدالهم، استمر رؤساء البلديات في عهد النظام بممارسة عملهم، وفي الحالات التي طالب بها السكان المحليون بهياكل جديدة، تم إنشاؤها على النحو الواجب. لذلك يمكن العثور على المجالس المحلية المنتخبة حديثاً في معاقل المعارضة السابقة - كما قد يكون متوقعاً - وأيضاً في المجتمعات العلوية والإسماعيلية التي كانت تحت سيطرة النظام ولكن حيث بادر النشطاء السياسيون لبناء هياكل سياسية واجتماعية جديدة.
شهدت منطقة القلمون في دمشق، وهي المعروفة باستضافتها مجالس محلية قوية منذ عام 2012، والتي تم استهدافها وتدميرها لاحقاً من قِبَل قوى النظام، انتعاشاً للمجالس المحلية بعد الثامن من ديسمبر. تم إنشاء المجالس المحلية في رنكوس، قارة، النبك، وعسال الورد في القلمون الغربي، بالإضافة لأماكن أخرى مثل داريّا، جوبر، سقبا، ودوما على أطراف مدينة دمشق.9 ومع ذلك، لا تزال بلدات القلمون مثل معربا، منين، صيدنايا، ومعلولا، التي كانت بشكل عام محايدة أو موالية للنظام، تُدار من قِبَل رؤساء بلدياتها القدامى.10 تم تشكيل مجلس رنكوس في 23 يناير بعد عشر أيامٍ من المُداولة، حيث تنحّى رئيس البلدية في عهد النظام عن منصبه.11 ووفقاً لرئيس المجلس المحلي لرنكوس في 2012 والذي يقدم المشورة الآن لخليفته، اختار أشخاص من مختلف أنحاء المجتمع ممثلين للهيئة، والتي انتخبت بعد ذلك رئيساً للمجلس. ويعمل الأخير فعلياً كرئيس بلدية المدينة، منسقاً مع اللجان القطاعية المحددة ومع المدير الإقليمي المُعَيّن من قِبَل هيئة تحرير الشام.12
كانت التجربة مختلفةً بعض الشيء في مدينة التل، مركز نشاط المعارضة خلال الثورة. هنا، يوجد منذ سنوات مجلس عائلي يضم ممثلين عن كلٍ من عائلات المدينة الرئيسية ، مما ساعد في سد فجوات الخدمة والوساطة التي خلّفها المجلس البلدي التابع للنظام.13 إن الروابط الطائفية ومجموعات المجتمع المدني في التل، ووجود مجلس عائلة أدى إلى عدم تشكيل مجلس محلي بعد سقوط الأسد حيث أن معظم الاحتياجات الفورية قد تم تلبيتها بالفعل. لم تعيّن دمشق مديراً إقليمياً لمنطقة التل الأكبر (المستوى الإداري الذي يقع تحت المحافظة مباشرةً) حتى يناير، وقد التقى بعد ذلك بمجلس العائلة وممثلي المجتمع المدني لإنشاء قائمة مرشحين مقبولين لمنصب رئيس بلدية المدينة ذاتها.14 يعمل الآن رئيس البلدية في منصب الشخصية المركزية للسلطة في التل، كما أن عمله يحظى بدعمٍ من المجتمع المدنيّ ومجلس العائلة.
يمثل هذا نهجاً وسطياً حيث تختار الحكومة المركزية المسؤولين المحليين بالتشاور الوثيق مع السكان المحليين أنفُسِهِم. ومع ذلك، نتيجةً للحرب، أصبح معظم سكان مدينة التل من النازحين داخلياً. لا يوجد ممثلون لهؤلاء الأشخاص في مجلس العائلة، مما يخلق اختلالاً في توازن القوى داخل البلدة لكون السكان الأصليين يتمتعون بصوت أقوى. وهذا يعد عيباً أساسياً في النهج المحلي للحوكمة في دولة تعاني هذا القدر من النزوح الداخلي.
ينعكس ظهور المجالس المحلية في معاقل المعارضة السابقة في محيط دمشق في البلدات الإسماعيلية في حماة وطرطوس بالرغم من أن تلك المجالس ظلّت تحت حكم النظام خلال الحرب. قام المجلس الإسماعيلي، الذي يعود تاريخه إلى عقود في مدينة السلمية، بتوسعة دوره الذي كان يركز على العمل الاجتماعي في البداية، وأصبح الآن يشمل العديد من واجبات المجلس المحلي التقليدي، بالرغم من حفاظه رسمياً على هويته " غير السياسية". يتكون المجلس من العديد من اللجان التي تنسّق بين السكان المحليين، منظمات المجتمع المدني، والهيئات الحكومية المعينة من قبل الحكومة لتسهيل العمل الإداري وتقديم الخدمة.15 وقد نشأت هذه اللجان قبل إنشاء أيّة مؤسسات حكومية جديدة بعد تسليم البلدة إلى قوّات هيئة تحرير الشام في الخامس من شهر ديسمبر.16 كان تركيزها الرئيسي على تقديم الخدمات الأساسية وتيسير التواصل بين الحكومة والمجتمع المدني.
على سبيل المثال، كان أحد المشاريع الأولى للجان هو توفير أموال تكميلية ووقود لمستشفى المدينة لإبقائه قيد التشغيل لمدة عشرة أيام تقريباً حتى أنشأت السلطات الجديدة في مدينة حماة مكتباً إقليميّا في السلمية وتولّى مهام توفير الوقود.17 على الرغم من اسمه، فإن المجلس الإسماعيلي في السلمية لا يقتصر على طائفة واحدة. عملياً، يتولى المجلس تمثيل أصوات الأقليات بشكل أفضل من مجلس العائلة في مدينة التل –سواءٌ كانت محلية ليست من الطائفة الإسماعيلية أو نازحين داخلياً -
وبشكلٍ مماثل، في غضون أيام من سقوط الأسد، أنشأت بلدة القدموس ذات الأغلبية الإسماعيلية المجلس المحلي الخاص بها. وصف أحد الأعضاء أن نشأة المجلس نابعة من أن: "بعد الأسد، لم يكن هناك حكومة ولا أمن، لذا قبل قدوم الحكومة الجديدة أنشأنا هذا المجلس المحلي واجتهدنا للحفاظ على مكتب الحكومة المحلي والمستشفيات."18 يساعد المجلس في إدارة المدينة والحفاظ على السلم المدني مع القرى العلوية المحيطة من خلال برامج توعية بدأت فوراً بعد الثامن من ديسمبر. بعد وصول المسؤولين الحكوميين، عمل مجلس الأمن الأوليّ مع ناشطين في المدينة لانتخاب مجلس يهدف إلى إدارة البلدة والذي بدوره شكّل لجنة السلم المدني. وقال عضو من المجلس المحلي "ندير مدينتنا بالتعاون مع الحكومة الجديدة، وتم تنسيق جميع الشؤون الإدارية، اللوجستية، والأمنية ."19
في حين أن الغالبية العظمى من المجتمعات العلوية لا تزال تُدار من قِبَل مخاتيرها ورؤساء بلدياتها من عهد النظام، فقد أنشأ بعض تلك المجتمعات مجالس محليّة. كما هو الحال في دمشق والسلمية و القدموس ، تم إنشاء تلك الأنظمة من قِبَل السكان المحليين كاستجابة مباشرة للاحتياجات الأمنية في ظل غياب الدولة الجديدة، وأقاموا، منذ ذلك الحين، روابط فعّالة مع المسؤولين الإقليميين المُعّينين مركزياً. شهدت منطقة السلمية تشكيل عددٍ من المجالس المحليّة بعد الثامن من ديسمبر. وأنشأ ناشطو المعارضة السُنيّة بعضاً منها في مناطقهم ذات الطوائف المختلطة، والبعض الآخر في البلدات العلوية مثل الصبّورة. كانت المدينة في السابق بمثابة مركز لشبكة "الشبّيحة" التابعة للنظام السابق، لكنّها الآن تحت إدارة مجلس محليّ أنشأهُ اثنان من المعتقلين السياسيين سابقاً، توفيق عمران وكريم عكاري، وكان كلاهُما مسؤولين في فرع محلي للحزب الشيوعي السوري.20
يحدد قادة مجلس الصبّورة دورهم في سد الثغرات الحرجة في الحوكمة والأمن، مع العمل على بناء القدرات التشغيلية. وِفقاً للمؤسسين "يركز المجلس على إعادة بناء الأنظمة الحكومية"، بما يشمل توفير الماء والخدمات الأساسية، الحفاظ على التعليم، والانخراط في الحوار المدنيّ.21 وكان هذان الهدفان الأخيران من الواجبات الرئيسية للمجلس في الأشهر الأربعة الماضية. وأوضح عكاري "الكثير من الناس جاءوا إلى هُنا في أسابيع ما بعد [سقوط] الأسد مطالبين استعادة حقوقهم، لذا استخدمنا المفاوضات لمنع القتل وللحفاظ على السلم المدنيّ"، في إشارة إلى السنة والبدو المجاورين الذين تعرضوا للهجوم، الاعتقال، والسرقة لسنوات من قِبَل شبكات ميليشيا النظام المتمركزة في الصبّورة. كما أعاد المجلس فتح مدرسة البلدة التي قد تم إغلاقها بعد رحيل أغلب المعلمين في أعقاب سقوط النظام. اليوم، بضعة وعشرون متطوعاً وعاملاً مدفعو الأجر يعلّمون حوالي 150 طالباً، بتنظيم وتسهيل مجلس البلدة. كما هو الحال مع جميع المجالس المحلية الأخرى التي التقى بها المؤلّف، فإن مجلس الصبّورة ينسّق بشكل وثيق مع ممثلي الحكومة، وفي هذه الحالة، مع المدير الإقليمي والقوات الأمنية المنتشرة داخل القرية وحولها.22
في طرطوس، تُدار منطقة الشيخ بدر بواسطة مجلس محلي منذ منتصف شهر ديسمبر. يتألّف المجلس من ثلاثة عشر عضواً من ممثلي الطائفة العلوية من المدينة والقرى المحيطة، وممثل واحد للأقليّة الإسماعيليّة في قرية الخوابي. جميع أعضاء المجلس عَمِلوا في الحكومة البلدية قبل الثامن من شهر ديسمبر.23 تتمحور المسؤوليات المُعلَنة للمجلس حول الحفاظ على السلم المدني، بدلاً من التعامل مع المشاكل الاقتصادية. كان هذا اتجاهاً شائعاً بين المناطق في شهر فبراير، مما يعكس أن الافتقار للموارد يعيق أي تنمية أو سياسة اقتصادية.24
شهدت منطقة القلمون في دمشق، وهي المعروفة باستضافتها مجالس محلية قوية منذ عام 2012، والتي تم استهدافها وتدميرها لاحقاً من قِبَل قوى النظام، انتعاشاً للمجالس المحلية بعد الثامن من ديسمبر.
مع ذلك، يتهم العديد من السكان المحليين هذا المجلس بأنه فاسد وعديم الكفاءة، مشيرين إلى جذوره في إدارة عهد النظام، بالإضافة لعدم منحه أي فضل للسلام الهشّ الذي شهدته منطقة الشيخ بدر مُنذُ الثامن من شهر ديسمبر. بدلاً من ذلك، يسلط النشطاء الضوء على دور اثنين من السكان المحليين المؤثرين الذين أصبحوا وسطاء رئيسيين بين المجتمع ومسؤولي الأمن، حيث حافظا على الحوار مع مكتب مُحافِظ طرطوس و ونسقا أنشطة الشرطة والإدارة في المنطقة وفق شروطهما الخاصة.25 هذه الأنواع من الوساطة المؤقّتة منتشرة على نطاق واسع بين المجتمعات العلوية والمسيحية، حيث لم تتشكل مجالس محلّيّة جديدة ولكن التوترات حول الأمن والسلم المدني لا تزال مرتفعة وتؤكّد على هشاشة هياكل الحكم المحلي الجديدة.
في أنحاء سوريا، تتعامل الحكومة السوريّة الجديدة مع كِلا الهياكل المحلية القديمة والجديدة بواسطة مسؤولي المناطق المُعيّنين إمّا في واحدة من مناطق سوريا الخمسة والستّين، أو في واحدة من المناطق الفرعية البالغ عددها 281. تم تصميم هذا النظام على غرار "إدارة المناطق" في إدلب الذي كان مصمماً لتسهيل استجابات الحكومة للمجتمعات المحلية بشكل أفضل بواسطة تعيين مدراء في مناطق إدارية أصغر ضمن إدلب.26 يشكل المدراء الجُدد الذين تم تعيينهم من قِبَل وزارة الداخلية، العمود الفقري للإدارة، حيث يربِطون بين رؤساء البلديات والمجالس المحلية من جهة، وبين مكتب المحافظ وقوات الأمن والوزارات المركزية من جهة أخرى.27 في البداية، كانت مسؤوليتهم الرئيسيّة هي تنسيق الأمن. العديد من المسؤولين هم خريجون من أكاديمية الشرطة التابعة لحكومة الإنقاذ.28 تُرك تقديم الخدمة والمهام الإدارية اليومية للمسؤولين والمجالس المحلية على مستوى المدينة.
مع ذلك، نظراً لدورهم كمدراء لمكاتب الشرطة الإقليمية وخدمات الأمن العامّة، قام المدراء بلعب دور أساسي في تنسيق ودعم تقديم الخدمات أيضاً.29 علاوةً على ذلك، عَمِلوا بمثابة "آذان وعيون" في الريف للحكومة المركزية، وتم تكليفهم بمهمة تقييم الاحتياجات في مناطقهم المحددة في أوائل أشهر سنة 2025.30 هذه المهام تضمّنت اجتماعات منتظمة مع السكان المحليين، المجموعات المدنية، والمسؤولين المحليين، مما أدى إلى مزيد من التشابك بين القواعد الشعبية والأنظمة المعيّنة مركزياً.31
بحلول مارس، بدأت تلك الهياكل بالتطوّر، مع تعيين مسؤولين إضافيين بجانب مدراء المناطق. أصبح لدى العديد من المناطق الآن مسؤول أمني وعسكري، وهما مسؤولان، على التوالي، عن وحدات وزارة الداخلية ووزارة الدفاع المنتشرة هُناك.32 وقد سمح هذا للمدراء بتولّي واجبات السلم المدني، الوساطة، والشؤون الإدارية. قال الناشطون والمجالس المحلية أن تلك التغيُّرات سهّلت علاقاتهم مع المدراء. في أواخر شهر مايو، عقدت وزارة الداخلية جلسة تشاورية لتحديد المزيد من الإصلاحات، بما يتضمن تحويل هذه المناصب الإدارية إلى أدوار مدنية بحتة.33
يختلف تعقيد نظام "مدير المنطقة" بحسب المنطقة، حيث لدى بعض المدراء مساحات أكبر من المسؤوليات من مدراء آخرين.34 يبدو أن هذا الاختلاف يعكس كُلاً من قلّة الموارد البشرية لدى الحكومة الجديدة وإعطائها الأولوية لمناطق الصراع مثل الساحل، حيث تُعّين مدراء أكثر. في طرطوس تم تعيين مدراء في أنحاء المناطق الفرعية وليس فقط على مستوى المناطق الرئيسية، مما أدى لزيادة عدد المسؤولين وتقليص مساحات مسؤولياتهم للمساعدة
يبدو أن هيئة تحرير الشام، حيثما أمكن، قد قامت بتعيين مدراء مناطق لمجتمعاتهم الأصلية. مدراء مناطق التل، السلمية، والسقيلبية، على سبيل المثال، هم من مناطقهم. لكن جميع مدراء المناطق ينتمون إلى مؤسسات إدلب الأساسية -المسؤولين في هيئة تحرير الشام، أو جهاز الأمن العام، أو قسم الشرطة التابع لجهاز الأمن العام. ونتيجةً لذلك، لا يوجد مدراء محليون في طرطوس في المناطق ذات الأغلبية من الأقليّات، وهو الأمر الذي بدوره شكل مصدر غضب لأغلب العلويين الذين تحدثوا مع الكاتب.39 وفي حين أن بعض المدراء المعيّنين في المناطق السنيّة مثل ريف دمشق لديهم روابط أضعف مع هيئة تحرير الشام، يبدو المدراء المعينون في المناطق ذات الكثافة السكانية العلوية كحلفاء مقرّبين لدمشق، مما يشير إلى أن الأخيرة تعطي أولوية للثقة وسلسلة القيادة المتينة لإدارة الهياكل بصورة أفضل في تلك المناطق.
من المرجّح أن نظام مدراء المناطق يمثّل مدى قدرة الحكومة الجديدة على بناء هياكل حوكمة محليّة ضمن حدودها. ومع ذلك فإن استعداد الحكومة الجديدة –سواءٌ بدافع الرغبة أو بسبب الظروف- في التعاون بشكل وثيق مع الهياكل المحلية القاعديّة قد مكّن، بطبيعة الحال، المبادرات السياسة المحلية وأعطى المجتمع الريفي المدني مساحة واسعة للعمل. يبدو أن الحكومة الجديدة، مع مرور الوقت وارتفاع التحديات الأمنية والتحديات فيما يخص الحوكمة، قد تبنّت تلك المؤسسات باعتبارها شركاء رئيسيين في ضمان الاستقرار. في شهر فبراير، قال المدير الإقليمي لمحافظة طرطوس للكاتب " إن المجتمع المدني هو مستقبل طرطوس" في رأيه، وقال إنه يتشاور بانتظام مع مثل هذه المجموعات، وأضاف بأنه يأمل أن يتم انتخاب المدير المستقبلي من بين صفوفها. يمكن رؤية الفِكر ذاته في نهج محافظ طرطوس تجاه منطقة الشيخ بدر، فبدلاً من تعيين مدير منطقة للإشراف على عمل المجلس، وافق في شهر يناير على اقتراح "الإدارة الذاتية" والتنسيق مع مدير الشرطة. وعلى نحوٍ مماثل، بعد العنف الذي اندلع في أوائل شهر مارس، بدأ مسؤولو جهاز الأمن العام، ومدراء المناطق، وحتى بعضاً من القادة العسكريين المنتشرين في أرجاء طرطوس، واللاذقية، وحماة بالانخراط بشكل مكثّف مع المخاتير العلويين والمجالس المحلية من أجل حل مشاكل التوترات المدنية وقضايا الأمن القائمة بشكل سلمي، بدلاً من الاعتماد على العمليات العسكرية والاقتحامات.40
تختلف الدوافع الدّقيقة وراء إنشاء كل مَجلس، لكنها تتضمن، بشكل عام، سد الفجوات في الحكم في أعقاب سقوط الأسد مباشرة. وصف رئيس مجلس رنكوس السابق دور المجلس على النحو التالي: يجب على المناطق مساعدة الحكومة [من خلال بدء تلك المبادرات] وتحتاج الحكومة إلى مساعدة تلك المناطق عبر التنسيق وتوفير الموارد.41 لا تستطيع المجالس المحلية وحدها فعل الكثير في سوريا الجديدة. إن القيود المفروضة على الموارد التي تؤثر على الحكومة المركزية هي أكثر حدّة على المستوى المحلي، مما يقيّد العمل المباشر لمعظم المجالس في الخدمات الأساسية، مثل: توفير المياه والرعاية الصحيّة والوقود، وجمع النِفايات. دعم التنسيق بين هذه المجتمعات بحد ذاته يعد دوراً مهماً لمدراء المناطق المُعيّنين مركزيّاً.
جميع هذه العوامل سوف تساعد في تعزيز المشاركة المدنية مستقبلاً، ولكن الاختلافات الكبيرة في هيئة الحكومات المحلية سوف يخلِق، في نهاية المطاف، عدم مساواة في كيفية تمثيل المجتمعات المتباينة وفي كيفية توفير مسؤولي المناطق للخدمات. التطبيق غير المتكافئ لهذه المبادرات -تحديداً في مناطق العلويين- أدت بالفعل إلى نقص في التمثيل في واحد من أكثر المناطق عرضة للأزمات. كما أظهرت أيضاً عواقب مجازر الساحل في مارس أن العلاقات التي تم بناؤها بين مدراء المناطق والجهات الفاعلة المحلية تشكل عاملاً أساسياً في الحفاظ على الأمن المدني وعملية بناء الثقة بين المجتمعات العلوية والحكومة الجديدة.
ينعكس التأثير المزدوج لشُحّ الموارد والظروف المحليّة المتنوّعة على النهج الأمني المتطور الذي تنتهجه الحكومة، وإن كان ذلك مصحوباً بعواقب أكثر سلبية بكثير من تلك التي نراها في نظام الحكم المحلي. ركزت الحكومة السورية الجديدة معظم جهودها الأوّليّة على ملء الفراغ الأمني الذي خلّفه سقوط نظام الأسد المفاجئ بشكل سريع.
جميع الأنظمة الإدارية والأمنية والقضائية مُترابطة بالنجاحات والتحدّيات القائمة التي يواجهها السوريون في مجالات السلم المدني وبناء المؤسسات. إن العنف المشهود على ساحل سوريا في شهر مارس ليس نتيجة مباشرة لهذه النُهُج -أي أن اتباع نهج مركزي، أو لامركزي لهذه المؤسسات الأساسية الثلاث لم يكن بالضرورة ليمنع ما حَدَث، بل كان سيؤدّي إلى تخفيف حدّة العنف فقط. لقد كان من شبه المؤكد حدوث حملة التمرد الضخمة والمنسقة التي شنتها قوات مؤيدة للأسد بغض النظر عن الإجراءات التي اتخذتها دمشق خلال الأشهر الثلاثة السابقة. 79
ومع ذلك، فقد أثّرت بعضٌ تلك الإجراءات بالفعل على درجة انضمام المدنيين العلويين إلى المتمردين وأثرت في سهولة تمكن الجماعات المسلحة التابعة للحكومة والجماعات المدنية السُّنية من الانخراط لاحقاً في أربعة أيام من المذابح. أدَّى تمكين قادة وفصائل المعارضة المحليّة في حِمص، ونقص الرقابة عن هذه الجهات الفاعلة المحليّة إلى انتهاكات فورية واسعة النِطاق ضد العلويين بدلاً من الحفاظ على سيطرة هيئة تحرير الشام الصارمة على المنطقة. 80 كما أدت تصرفات مسؤولي الأمن المحليين إلى تمكين المواطنين السنة تدريجياً من تصعيد حملاتهم من المضايقات والهجمات على جيرانهم العلويين، في كثير من الأحيان، باستخدام حصانتهم الجديدة للإستيلاء على الشركات التي يديرها العلويون أو مضايقة الأسر العلوية حتى يغادروا منازلهم إلى لبنان. 81
تم الإبلاغ عن هذه الانتهاكات البسيطة ولكن المستمرة في حِمص على نطاق واسع في جميع أنحاء المجتمع العلوي، إضافةً إلى المزاعم الكاذبة عن مذابح تُرَوّج لها شبكات الإعلام المؤيّدة للأسد. 82 وكان التأثير المزدوج هو أن العديد من العلويين في المناطق الساحلية شعروا بالخوف من احتمال وقوع عنف شديد من جانب الدولة. وقد أدّى رفض الحكومة تطبيق نهجها الأمني المحلي على العلويين في المنطقة الساحلية إلى تعميق انعدام الثقة.
ورغم ذلك، قال جميع السكان المحليين، الذين تمت مقابلتهم في إطار هذا البحث في شهر فبراير، إن الأوضاع في طرطوس واللاذقية تستمر بالتحسّن. سحبت دمشق معظم فصائلها العسكرية وأنهت مداهمات المنازل بعد المذابح التي وقعت غرب حِمص في أواخر شهر يناير.83 وكانت قوات الشرطة وجهاز الأمن العام تحظى باحترام كبير. هذا هو الاتجاه الذي وجده المؤلّف في معظم مناطق الأقليات، ويبدو أنه يعكس درجة أعلى، بشكل عام، من الاحترافية من جانب وحدات وزارة الداخلية بالمقارنة مع الفصائل العسكرية المتنوِّعة.84 أدَّت انتفاضة السادس من شهر مارس، والمذابح التي تلتها إلى تراجع الكثير من هذا التقدّم، مما أدى إلى كسر ما تم بناؤه من ثقة بين الناشطين السُنة، الإسماعيليين، والعلويين، وترسيخ الخوف من "الآخر" بين العلويين.
الطريق إلى الأمام لسوريا:
الحكم المركزي أو اللامركزي هو إطار خاطِئ لمستقبل سوريا. بل إن تجربة بناء الدولة في سوريا مُنذ الثامن من شهر ديسمبر أبرَزَت فوائِد الهياكل المحليّة الفعالة التي تعمل بالتزامن مع مؤسسات مركزية قوية.عمل السكّان المحليون على إنشاء أو توسيع نماذج بديلة للعدالة كاستجابة مٌباشرة للانهيار السريع للدولة السورية وضعف الحكومة الجديدة. وليس لدى السُلُطات الجديدة خيارٌ سوى التعامل مع هذه الأنظمة. في جميع المجتمعات التي زارها الكاتب، بدت القوات الأمنية والمسؤولون المُعينون من قِبَلِ الحكومة حريصين على التعامل معهم. يمكن لهذه الأنظمة أن تزيد من قوّة الهيئات الإدارية أو المدنية الشعبية، ومن ثقة السكّان المحليين بها. لكنها تعكس أيضًا انعدام الثقة بشكل عام في الحكومة الجديدة. عبّر الكثير من الناشطين والسكّان المحليين، الذين تمت مقابلتهم في الأشهر الأخيرة، عن رغبتهم في عودة نظام العدالة المدنيّ والمحاكم التي تُديرُها الدولة. يبدو أن الآراء في المركزية مقابل اللامركزية للدولة لا تتعلّق بالرغبة في وجود نظام حكم واضح، فعّال، ومُطَبّق على نِطاق واسع.
بينما تُمَثِّل النماذج البديلة للعدالة، في جوهرها، إخفاقاً للدولة المركزية، فإن أنظمة العدالة ذات التوجّه الإسلامي تمتدّ إلى ما هو أبعد من ذلك حيث إنها تُضعِف من مصداقية الحكومة. في حين أن بعض الحالات مِثلَ مدينة التل -حيث السكّان أكثر تجانُساً بكثير- يُنظر إلى هذه المكاتب بالرِضى، فإنّ مكتب العيروط في بانياس يُضعِف بوضوح من قوة الأمن العام وفي الوقت ذاته، يُمَكِّن السُّنّة المحليين من تحدي الحكومة الجديدة. وجود المكاتب المُتَوَجِّهة نحو الشريعة -الإسلامية- يُوَفِّر منفَذاً مُحتملاً للسُّنّة، المُحافِظين بشكل أكثر، الذين قد يتردّدون في استخدام المحاكم المدنية، ولكنَّ هذه مجرد إسعافات أوّليّة لمُشكِلة التشدُّد والتطرّف الأساسية بين أجزاء من المجتمع السُّنيّ. إنَّ تجاهُل هذه الظاهِرة يُخاطِر بتسهيلِ وُقوعِ أعمالَ عُنفٍ طائفِي من النوع الذي شوهِدَ في بانياس في أوائل شهر مارس.85
إضافةً إلى أن الكثير من نماذج العدالة البديلة هذه، التي تعتمد بشكل كبير على التدخلات المدنية بدلاً من التدخلات القانونية، غير قادرة على التعامل مع الجرائم الأكثر خطورة مثل القتل .86 مع تصاعُد أعمال العنف في أجزاء مُعيّنة في سوريا، من الضروريّ أن تُوَضِّح السُلُطات الجديدة الوظائف الأساسية للدولة بسرعة عبر إنشاء أنظمة عدالة يُمكِن الاعتماد عليها و تكون قادرة على مُحاسبة الأطراف المُذنِبة بشكل فعال. الاعتماد على الأنظمة البديلة كحل مؤقت لسد الثغرات عند السلطات من شأنِه أن يؤدي إلى زيادة انعدام ثقة السكان المحليين بالحكومة الجديدة.
إعادة بناء الدولة السورية لا يتعلّق بالاختيار بين ثُنائية هياكل السُلطة، بل يتعلق بتعزيز ثقة السوريين في الدولة على جميع المستويات مع توفير خدمات فعّالة في جميع القِطاعات.
ومع ذلك، فإن هياكل الحكم الهجينة وحدَها ليست كافية لتقويض عقود من التطرُّف والتفرقة التي زرعها النظام السابق. الخوف مُتفَشِ في جميع أنحاء المجتمعات السورية، ويجب على أيّ سياسة أن تأخُذَ بالحُسبان طرقاً لتخفيف هذا الخوف ومنعه من التحول إلى انقسام أعمق. على سبيل المثال، لم يُواجِه أي مسؤول في عهد النظام محاكمة على جرائِمِه، مِما أدّى إلى انتشار الخوف بين السُنّة من ألّن يكون هُناكَ عدالة أبداً. وساعد هذا الاعتقاد في تأجيج بعض أعمال العُنف من السُّنّة تجاه العلويين.87 وفي هذه الأثناء، دفع الافتقار إلى الشفافية فيما يخص المُساءلة واستمرارية عمليات القتل الإنتقامية الانتقامية ضد العلويين المجتمعَ العلوي إلى حالة من الذعر والارتباك بشأن أمنه المستقبليّ. وبالتالي إلى جانب هياكل الحكم الهجينة، تتطلّب سوريا لجاناً قوية للمصالحة والحقيقة لمعالجة التوترات بين العلويين وبقية الطوائف في سوريا.
المصالحة، بالتأكيد، هي وجه جوهري للعدالة الانتقالية. وقد كان لغياب عمليات مؤسسية مثل هذه آثار سلبية جَليّة. فقد أثار ذلك غضب السوريين المناهضين للأسد بسبب الاندماج الواضح لرجال أعمال وقادة عسكريين تابعين للنظام وبارزين مثل فادي صقر في لجان تابعة للحكومة.88 وقد ترك ذلك العلويين العاديين يشعرون وكأن المدنيين وأفراد الأمن ذوي الرُتب الدُنيا يواجهون تدقيقاً أكثر بكثير من مجرمي الحرب الخطيرين، ممّا يُعَمِّق انعدام ثقة هؤلاء العلويين أكثر بدوافع دمشق.89
ومن المؤكّد وجود الكثير من المنظّمات المحلية غير الرسمية التي تُدير جلسات حوار بين الطوائف، وقد ازداد عددها بشكل كبير مُنذ شهرِ مارس. ولكنهم يحتاجون إلى تمويل دولي بالإضافة إلى المزيد من الدعم والمشاركة من دمشق. وعلى وجه التحديد، تظّل شبكات النشطاء التي تقودها الأقلّيّات قلقة بشكل عميق بشأن شرعية مساعيها. ويشيرون إلى افتقار الشفافية من جانب دمشق، والمعاملة غير المتّسقة من المسؤولين المحليين الذين يرون هذه المنظمات إمّا كدروع لعملاء النظام السابق أو كمنافسين سياسيين للحكومة الحالية، أو كليهما معاً.
قد لعب انعدام الثقة بين المجتمعات العلوية، بشكل عام، دوراً أساسياً في منع اندماج الأقليّات في قوّات الأمن المحليّة. كان بإمكان نهج أمني محلّي في منطقة الساحل، حيث يخدم العلويون تحت قيادة هيئة تحرير الشام في قوات الشرطة المحلية، أن يبني روابط بين المجتمعات والمسؤولين الأمنيين، مما يُساعد الرجال العلويون على المشاركة في الحكومة الجديدة. بدلاً من ذلك، أدى استبعادِهم شبه التام من القطاع الأمني، حتى على المستوى المحلّي الجزئي، ضمان بقاء شبكات بقايا مؤيدي الأسد مؤثرة بشكل عالِ. كي نكون مُنصِفين، أقرَّ كبار مسؤولي الحكومة هذه المشكلة بشكل متكرر في لقاءات خاصّة -ولكنهم أكّدوا على التحدّيات التي يواجِهونها في التحقق من المجنّدين المُحتملين.90
الحكم المركزي أو اللامركزي هو إطار خاطِئ لمستقبل سوريا. بل إن تجربة بناء الدولة في سوريا مُنذ الثامن من شهر ديسمبر أبرَزَت فوائِد الهياكل المحليّة الفعالة التي تعمل بالتزامن مع مؤسسات مركزية قوية.
تُظهِر تجربة القدموس أن دمج العلويين ببساطة في أجهزة الأمن المحلية لم يكن كافياً لمنع الانتفاضات الواسعة النطاق في تلك المناطق.91 ركّز مسؤولون أمنيون في القدموس على تجنيد عناصر من النظام السابق -في محاولة منهم لتشجيع هؤلاء الرجال على المشاركة في الحكومة الجديدة- وبالتالي تهميش العلويين المدنيين من جهاز الأمن الجديد.92 في الشيخ بدر، أدّى تشكيل المجلس المحلي حول مسؤولين سابقين في النظام إلى تعطيل المجلس وفقدان ثقته من جانب السكان المحليين من البداية. مما حَدَّ هذا، بشكل كبير، من أي استخدام محتمل له. يجب ألّا يُرى إخفاق هذه البرامج كإخفاقٍ لدمج الأقليّات، بل كإشارة أخرى, بأنَّه يجب على دمشق أن تعمل مع المجتمع العلوي المدني، وليس مع شبكات النظام السابق.
كان النهج الأمني الذي اتبعته دمشق في شهري يناير وفبراير ساذجاً، حيث أساءت الحكومة تقدير عمق الأزمة في المناطق العلوية، إضافةً إلى افتقار قوات الأمن إلى السيطرة على المسلحين السنّة. حاولت الحكومة دمج جميع فصائل المعارضة في هياكل الدولة -على الورق فحسب. لعب الافتقار إلى القيادة والسيطرة الحقيقية الناتج دوراً كبيراً في أعمال العنف التي شوهدت في شهر مارس، حتى وإن كانت بعض عمليات القتل منفّذة من جانب قوات حكومية خاضعة للسيطرة المركزية أيضاً. أدت ضرورة الاعتماد على تلك الفصائل نفسها في إدارة نقاط تفتيش جديدة في منطقة الساحل إلى تفاقم المشكلة. حيث تُرِكَ مسؤولو هيئة تحرير الشام محاولين منع الانتهاكات التي ترتكبها الفصائل العسكرية التي وضعها انتماؤها المزعوم لوزارة الدفاع خارج نطاق سلطتهم وخارج نطاق سلطة المديرين الإقليميين أيضاً.93
تدرك دمشق هذه العيوب ولكنها تستمر بالشكوى حول صعوبة العثور على محاورين علويين "موثوقين" والتحقق منهم، تحديداً فيما يخص قطاع الأمن.94 ومع ذلك، في منتصف شهر مايو، أبلغ السكان المحليون في منطقة الساحل أن المسؤولين بدأوا بالتواصل مع ضباط علويين وإسماعيليين من النظام السوري والذين تم فصلُهم في الثامن من شهر ديسمبر. إذا اكتسب هذا التطور زخماً، فسيكون خطوة أولى حاسمة نحوَ معالجة الكثير من مخاوف السكان المحليين في تلك المناطق، مع استمرار المخاطر الأمنية الناتجة عن الجنود السابقين العاطلين عن العمل والمحرومين من حقوقهم في إثارة الرعب. ولكن يجب أن يبقى التركيز على التجنيد وتمكين المدنيين. على الرغم من المخاطر، فإن دمج جميع الأقليات في قوات أمنية محلية هو ضرورة أساسية لدخول سوريا في مرحلتها الانتقالية التالية.
في نهاية المطاف، وعلى الرغم من التحديات الأمنية في أجزاء البلاد، نجح نظام الحكم الهجين في منع انهيار الدولة وفي تعزيز قوة الجهات الفاعلة المحلية في الكثير من المناطق. إضافةً إلى أن عملية التوسع التدريجي لمؤسسات الدولة في دمشق من المركز نحو الأطراف قد انسجمت بشكل جيد مع الأنظمة الإدارية المبنية محلياً. وأوضح مسؤولو المناطق المُعيَّنون من جانب الحكومة المرونة في دعم المطالب الأمنية والقضائية المحلية. زادت هذه المرونة عقب أعمال العنف في الساحل في شهر مارس، حيث بدأ القادة في دمشق في فهم حدود هياكِلِهِم المركزية وأهمية العمل من خلال أنظمة أقل مركزية.
ولكن لابد من بذل المزيد. يتعيّن الآن على دمشق أن تُوَجّه جهودها نحو إضفاء الطابع المؤسسي على السياسات الاستباقية لمسؤولي المناطق الذين قاموا بتحسينات حقيقية على المستوى المحلّي. هناك حاجة أيضاً إلى تغييرات أمنية أكبر -بما في ذلك المساءلة القانونية لقوات الأمن وإزالة الفصائل الأجنبية من مناطق الأقليات.- أخيراً، فإن إعادة التأهيل السريع لنظام العدالة وإنشاء آلية الحقيقة والمصالحة أمر حتمي. يجب أن تُنفَّذ إعادة هذه التشكيلات الداخلية سويةً، وفي أقرب فرصة. حينها فقط يمكن لسوريا أن تبدأ في الابتعاد عن حالة عدم الاستقرار والانتقال لمرحلة جديدة أكثر إيجابية.


