مقدمة
تحتل منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية موقعًا مركزيًا في البنية العسكرية الإسرائيلية إذ تعتمد عليها إسرائيل في مواجهة التهديدات الصاروخية المتزايدة في البيئة الإقليمية. في ظل اتساع دائرة المواجهة وتزايد استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة تكتسب هذه المنظومة أهمية خاصة بوصفها خط الدفاع الأول عن الجبهة الداخلية والمنشآت الحيوية، التي تشكل هدفًا رئيسيًا في أي مواجهة واسعة النطاق.
تعتمد إسرائيل في هذا المجال على بنية دفاعية متعددة الطبقات صُممت للتعامل مع مستويات مختلفة من التهديدات. وتشمل هذه الشبكة منظومات "القبة الحديدية" لاعتراض القذائف القصيرة المدى، و"مقلاع داوود" لمواجهة الصواريخ الثقيلة والمتوسطة المدى، إضافة إلى منظومتي "حيتس 1 2" و"حيتس 3" لاعتراض الصواريخ الباليستية البعيدة المدى خارج الغلاف الجوي، ومنظومة الدفاع البحرية "القبة الواقية". كما تستند هذه المنظومة إلى تعاون وثيق مع الولايات المتحدة التي توفر أنظمة داعمة مثل "باتريوت" ومنظومة "ثاد" في أوقات التصعيد.
تحتل منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية موقعًا مركزيًا في البنية العسكرية الإسرائيلية.
يهدف هذا النموذج المتعدد الطبقات إلى توزيع مهام الاعتراض وفق طبيعة التهديد ومداه وارتفاعه وسرعته، بما يزيد من احتمالات اعتراض الصواريخ قبل وصولها إلى أهدافها داخل إسرائيل. وتشير دراسات عسكرية إلى أن هذا التصميم يسمح بإدارة المعركة الدفاعية على عدة مستويات في الوقت نفسه بحيث تتكامل الأنظمة المختلفة لتوفير مظلة دفاعية أوسع للجبهة الداخلية.
في المقابل تكشف المواجهة الصاروخية بين إيران وإسرائيل عن معادلة تجمع بين الاعتبارات العسكرية والاقتصادية. فاعتراض الصواريخ الباليستية يتطلب موارد مالية مرتفعة مقارنة باعتراض الصواريخ القصيرة المدى أو الطائرات المسيّرة. ومع ذلك تنطلق الحسابات الإسرائيلية من تقدير يقوم على أن كلفة الاعتراض رغم ارتفاعها تبقى أقل من الخسائر الاقتصادية والبشرية التي قد تنجم عن إصابة مباشرة للمراكز السكانية أو البنية التحتية الحيوية، خاصة بعد تمكن عدد محدود من الصواريخ الإيرانية خلال بعض جولات التصعيد من اختراق الدفاعات والوصول إلى أهداف داخل إسرائيل.
تضم منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية مجموعة من الأنظمة الدفاعية المتكاملة، وتشمل أساسًا ما يلي:
أولًا: الطبقة الأولى "حيتس 3"
في 12 تشرين الثاني 2023 أعلنت إسرائيل عن أول استخدام عملياتي لمنظومة "حيتس 3"، إذ اعترضت صاروخًا باليستيًا أطلقه الحوثيون من اليمن باتجاه مدينة إيلات. نُفذ الاعتراض خارج الغلاف الجوي فوق منطقة البحر الأحمر وعلى مسافة بعيدة من نقطة الهدف. في هذا السياق، تشير التقديرات إلى أن كلفة اعتراض صاروخ واحد بواسطة "حيتس 3" تبلغ نحو 3.5 مليون دولار 2 . ما يضع هذا الاستخدام ضمن إطار عملياتي عالي الكلفة يرتبط بالتهديدات الباليستية البعيدة المدى. شكّل هذا الحدث انتقالًا فعليًا للمنظومة من مرحلة الاختبارات إلى حيز الاستخدام القتالي ضد تهديد عابر للحدود.
تندرج "حيتس 3" ضمن منظومة الدفاع الجوي المتعددة الطبقات التي تعتمدها إسرائيل، والتي تقوم على توزيع مهام الاعتراض وفق الارتفاع والمدى وطبيعة التهديد. يعكس هذا البناء تصورًا دفاعيًا يقوم على تعدد فرص الاعتراض وتقليص احتمالات الاختراق عبر تدرج طبقي متكامل3.
طوّرت وزارة الأمن الإسرائيلية عائلة "حيتس" عبر إدارة "حوما" بالتعاون مع الصناعات الجوية الإسرائيلية وشركة "إلتا" وشركة "بوينغ"، وبمشاركة الوكالة الأمريكية للدفاع الصاروخي وعدد من المتعهدين الفرعيين في إسرائيل والولايات المتحدة. يجسّد هذا الإطار التعاوني البعد الإستراتيجي للمشروع على مستوى التمويل المشترك ونقل التكنولوجيا وتكامل المنظومة مع شبكات الإنذار المبكر والرادارات البعيدة المدى وأنظمة القيادة والسيطرة.
في 12 تشرين الثاني 2023 أعلنت إسرائيل عن أول استخدام عملياتي لمنظومة "حيتس 3".
من الناحية التقنية، ينتمي "حيتس 3" إلى فئة الصواريخ خارج الغلاف الجوي، حيث ينفذ الاعتراض عبر اصطدام حركي مباشر وفق مبدأ hit to kill من دون استخدام رأس متفجر تقليدي. يسمح هذا النمط بتنفيذ عملية الاعتراض في الفضاء الخارجي ويحد من مخاطر تناثر مواد خطرة محتملة داخل المجال الجوي الإسرائيلي في حال حمل الصاروخ المعادي مواداً غير تقليدية. كما يتمتع الرأس الحربي بقدرة مناورة عالية تعزز فعاليته في مواجهة أهداف قد تعتمد مسارات مراوغة4.
بذلك تمثل "حيتس 3" الطبقة الإستراتيجية العليا في منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية، إذ توسّع مجال الاعتراض إلى خارج الغلاف الجوي وتضيف بعدًا ردعيًا يرتبط بالقدرة على التعامل مع تهديدات بعيدة المدى، مع ما يرافق ذلك من كلفة تشغيلية مرتفعة تعكس طبيعة التهديد الذي صممت المنظومة لمواجهته.
ثانيًا: الطبقة الثانية "حيتس 2"
تُعدّ "حيتس 2" أقدم معترض ضمن منظومة "حيتس" التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي. سُلّمت إلى الجيش بصورة رمزية في 29 نوفمبر 1998، بعد تطوير قادته الصناعات الجوية الإسرائيلية بإشراف إدارة "حوما" في وزارة الدفاع وبتمويل من وزارة الدفاع الأمريكية منذ أوائل التسعينيات. ومنذ دخولها الخدمة شكّلت ركيزة أساسية في طبقة اعتراض الصواريخ الباليستية بعيدة المدى داخل الغلاف الجوي بمدى يصل إلى 1500 كيلومتر5.
تعمل "حيتس 2" على اعتراض الصواريخ الباليستية على ارتفاع عشرات الكيلومترات. وتعتمد آلية عملها على الاقتراب من الهدف ثم تفعيل رأس حربي متفجر يطلق شظايا نحو الصاروخ المهاجم لتدميره. بخلاف منظومة "حيتس 3" التي تعتمد مبدأ الإصابة المباشرة تقوم "حيتس 2" على التفجير التقاربي لإحداث التدمير.
ما تزال "حيتس 2" تؤدي مهمتها العملياتية وفق تصريح المدير العام للصناعات الجوية رغم التقدم التكنولوجي الكبير الذي شهدته مجالات الإلكترونيات والمعالجات ومحركات الوقود الصلب منذ دخولها الخدمة. ويُنتظر أن تحل "حيتس 4" محلّها في خط إنتاج الصناعات الجوية الإسرائيلية في إطار تحديث الجيل القادم من المعترضات6.
تُعدّ "حيتس 2" أقدم معترض ضمن منظومة "حيتس" التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي.
من حيث الكلفة، أُشير إلى أن تكلفة المعترض الواحد من "حيتس 2" تقارب نحو مليوني دولار. وفي نهاية عام 2024 حصلت الصناعات الجوية على عقد بقيمة مليارات الشواكل لإنتاج مخزون إضافي من "حيتس 2" و"حيتس 3" لتعويض ما استُهلك خلال اعتراض الهجمات الإيرانية في أبريل وأكتوبر من العام 2025 / 2024. وخلال الحرب على إيران 2025 شاركت منظومة "حيتس 2" في اعتراض مئات الصواريخ الباليستية التي أُطلقت من إيران واليمن.
ثالثًا: الطبقة الثالثة "مقلاع داود"
تُعد منظومة "مقلاع داود" التي عُرفت سابقًا باسم "العصا السحرية"، إحدى الركائز الأساسية في منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية المتعددة الطبقات. تمثل الطبقة الثالثة في هذا النظام، حيث تقع فوق "القبة الحديدية" ومنظومة الليزر المستقبلية "مجن أور" وتحت منظومتي "حيتس 2" و"حيتس 3". صُممت المنظومة لسد الفجوة بين اعتراض الصواريخ القصيرة المدى والصواريخ الباليستية البعيدة المدى، بما يوفر استجابة فعّالة للتهديدات المتوسطة والمتقدمة.
تختص منظومة "مقلاع داود" باعتراض طيف واسع من التهديدات الجوية يشمل الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى، وصواريخ الكروز، والطائرات غير المأهولة، إضافة إلى الصواريخ الثقيلة. صُممت المنظومة للتعامل مع أهداف تقع ضمن نطاق متوسط إذ تغطي مجال اعتراض يتراوح تقريبًا بين 15 و70 كيلومترًا من حيث مسافة الاشتباك وتستهدف صواريخ يصل مداها إلى نحو 300 كيلومتر7. وقد طُورت بصورة مشتركة بين إدارة "حوما" في وزارة الدفاع الإسرائيلية ووكالة الدفاع الصاروخي الأمريكية MDA، بقيادة شركتي "رافائيل" الإسرائيلية و"رايثيون" الأمريكية. بدأ تطوير المنظومة عام 2006 بتمويل أمريكي، ودخلت الخدمة العملياتية عام 2016.
يتميّز صاروخ الاعتراض الخاص بالمنظومة ببنية فريدة مقارنة بالأنظمة الأخرى، إذ يجمع بين منظومة رادارية ومستشعر بصري لتعزيز دقة التتبع والاعتراض. تعتمد المنظومة على آلية إصابة مباشرة داخل الغلاف الجوي، ما يرفع مستوى الدقة في تدمير الهدف. تتولى شركة "إلبِت" تطوير منظومة القيادة والسيطرة، بينما تنتج شركة "إلتا" التابعة للصناعات الجوية الرادار المستخدم في النظام8.
تتجاوز كلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد مليون دولار، ما يعكس تعقيد التكنولوجيا المستخدمة وطبيعة التهديدات التي صُممت المنظومة للتعامل معها. ولذلك تُستخدم أساسًا ضد تهديدات متقدمة ذات أهمية إستراتيجية، وليس ضد القذائف القصيرة المدى المنخفضة الكلفة. شهدت المنظومة أول إخفاق عملياتي لها عام 2018 عند محاولة اعتراض صاروخين سوريين. غير أن أول اعتراض ناجح معلن كان لصاروخ أُطلق من قطاع غزة فوق منطقة غوش دان ما عُدّ مؤشرًا على إدخال تحسينات تقنية بعد التجربة السابقة9.
تُعد منظومة "مقلاع داود" إحدى الركائز الأساسية في منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية المتعددة الطبقات.
على الصعيد الدولي، أصبحت فنلندا أول دولة أجنبية تشتري "مقلاع داود" ضمن صفقة بلغت قيمتها 345 مليون دولار مع خيار توسيعها، في إطار تعزيز جاهزيتها العسكرية. ويعكس هذا التصدير انتقال المنظومة من إطار الاستخدام المحلي إلى موقع في سوق أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة عالميًا.
رابعًا: منظومة "القبة الحديدية"
بدأ تطوير منظومة "القبة الحديدية" في إسرائيل عام 2007 بعد قرار اتخذته وزارة الدفاع الإسرائيلية لتطوير نظام دفاعي قادر على اعتراض الصواريخ قصيرة المدى التي تُطلق باتجاه المدن الإسرائيلية من قطاع غزة. تولّت شركة "رافائيل" تطوير المنظومة بصفتها المقاول الرئيسي بالتعاون مع شركة "إلتا" التابعة للصناعات الجوية الإسرائيلية التي طورت الرادار وشركة "mPrest" التي طورت منظومة القيادة والسيطرة. دخلت المنظومة الخدمة العملياتية في الجيش الإسرائيلي عام 2011 لتصبح منذ ذلك الحين الطبقة الدنيا في منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية المتعددة الطبقات10.
من حيث التكلفة، يعتمد النظام على صواريخ اعتراض من نوع "تامير" بما يتراوح بين نحو 40 ألفًا - 100 ألف دولار للصاروخ الواحد. تُنتج المنظومة ضمن برنامج دفاعي واسع تموله الولايات المتحدة جزئيًا. فقد وافق الكونغرس الأمريكي في أكتوبر 2024 على حزمة مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة نحو 8.7 مليار دولار، خُصص نحو 5.2 مليار دولار منها لتعزيز منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية بما في ذلك "القبة الحديدية" و"مقلاع داود" ومنظومة الليزر "مجن أور".
يحتوي صاروخ "القبة الحديدية" على محرك، ونظام توجيه، ورأس حربي متفجر، ومستشعر لتحديد الهدف، إضافة إلى زعانف توجيه تساعده على المناورة للوصول إلى الهدف، فيما يبلغ وزن الصاروخ نحو 90 كغ ويصل طوله إلى ثلاثة أمتار11.
تتكون منظومة "القبة الحديدية" من ثلاثة عناصر رئيسية تعمل بصورة متكاملة. يتمثل العنصر الأول في رادار الكشف والتتبع الذي تطوره شركة "إلتا"، وهو المسؤول عن اكتشاف الصواريخ المعادية وتحديد مسارها. أما العنصر الثاني فهو مركز إدارة المعركة والتحكم الذي طورته شركة "mPrest"، ويقوم بتحليل مسار الصاروخ وتحديد ما إذا كان سيصيب منطقة مأهولة. أما العنصر الثالث فهو منصات إطلاق صواريخ الاعتراض "تامير" التي تنتجها شركة "رافائيل"12.
بدأ تطوير منظومة "القبة الحديدية" في إسرائيل عام 2007 بعد قرار اتخذته وزارة الدفاع الإسرائيلية.
تعتمد طريقة عمل المنظومة على اكتشاف الصاروخ المعادي فور إطلاقه بواسطة الرادار. بعد ذلك يقوم مركز التحكم بحساب مسار الصاروخ خلال ثوانٍ لتحديد مكان سقوطه المتوقع. إذا تبين أن الصاروخ سيسقط في منطقة غير مأهولة لا يتم إطلاق صاروخ اعتراضي، أما إذا كان مساره يشير إلى أنه سيصيب منطقة مأهولة أو منشأة حيوية فيتم إطلاق صاروخ "تامير" لاعتراضه في الجو وتدميره قبل وصوله إلى الهدف.
رغم النجاح العملياتي الواسع للمنظومة، واجهت بعض التحديات والمشكلات. أحد أبرز التحديات التي تواجهها المنظومة هو ما يُعرف بظاهرة "الإشباع" أي إطلاق عدد كبير من الصواريخ في وقت واحد. في هذه الحالة قد تجد البطاريات صعوبة في اعتراض جميع الأهداف؛ لأن عدد الصواريخ الاعتراضية محدود في كل بطارية، ولأن نظام إدارة المعركة يضطر إلى اختيار الأهداف الأكثر خطورة فقط. تشير تقارير إسرائيلية إلى أن إطلاق رشقات كثيفة يمكن أن يضغط على قدرة النظام ويزيد احتمال اختراق بعض الصواريخ للدفاعات13.
ومن أبرز التحديات أيضا الكلفة المرتفعة نسبيًا لصواريخ الاعتراض مقارنة بالصواريخ البدائية التي تطلق من غزة وتعترضها المنظومة. كما أن قدرة النظام تعتمد على توفر مخزون كافٍ من الصواريخ الاعتراضية وعلى قدرة الإنتاج الصناعي المستمر لتعويض ما يُستخدم في العمليات.
على صعيد الانتشار والتصدير، تُستخدم "القبة الحديدية" أساسًا داخل إسرائيل، حيث تشغّل إسرائيل عدة بطاريات منتشرة في مناطق مختلفة لحماية المدن والبنية التحتية. كما تم تطوير نسخة بحرية من المنظومة تُعرف باسم "قبة الحماية" (C-Dome) نُشرت على سفن الصواريخ من طراز "ساعر-6". وفي إطار التعاون الصناعي بين إسرائيل والولايات المتحدة، أنشأت شركتا "رافائيل" و"رايثيون" شركة مشتركة في الولايات المتحدة لإنتاج منظومات "القبة الحديدية" وصواريخ الاعتراض الخاصة بها بما يتيح تزويد الجيش الأمريكي وحلفائه بهذه الأنظمة الدفاعية.
خامسًا: منظومة أور إيتان
تمثل منظومة أور إيتان (Iron Beam) مشروعًا إسرائيليًا لتطوير طبقة دفاع جوي تعتمد على الليزر العالي الطاقة لاعتراض التهديدات الجوية القريبة. طورت شركة رفائيل للصناعات الدفاعية المنظومة بالتعاون مع مديرية البحث والتطوير الدفاعي في وزارة الأمن الإسرائيلية؛ بهدف إنشاء طبقة جديدة تضاف إلى منظومة الدفاع الجوي المتعددة الطبقات. يعتمد النظام على توجيه شعاع ليزر عالي الطاقة نحو الهدف حتى يتلفه أو يدمره14.
جاء تطوير هذه المنظومة نتيجة التحديات التي فرضتها الحروب الحديثة، حيث تواجه إسرائيل تهديدات كبيرة من الطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة المدى وقذائف الهاون. هذه التهديدات غالبًا ما تكون منخفضة الكلفة وكثيفة العدد بينما تكون الصواريخ الاعتراضية المستخدمة ضدها مرتفعة الثمن. لذلك سعت إسرائيل إلى تطوير وسيلة اعتراض تقلل الكلفة التشغيلية وتسمح بتنفيذ عدد كبير من عمليات الاعتراض دون استنزاف المخزون الصاروخي.
تمثل منظومة أور إيتان مشروعًا إسرائيليًا لتطوير طبقة دفاع جوي تعتمد على الليزر العالي الطاقة.
تعتمد المنظومة على ليزر عالي الطاقة مع تقنية البصريات التكيفية (Adaptive Optics) التي تسمح بتركيز الشعاع بدقة عالية على الهدف حتى في المسافات البعيدة. تقوم فكرة العمل على تسليط الشعاع على الهدف لعدة ثوانٍ حتى تتلف مكوناته أو ينفجر رأسه الحربي. تشير المعلومات المنشورة إلى أن بعض النسخ التكتيكية من منظومات الليزر التابعة لعائلة "أور إيتان" تعمل بقدرة تقارب 10 كيلوواط وهي مصممة لاعتراض أهداف صغيرة مثل الطائرات غير المأهولة15.
تندرج "أور إيتان" ضمن عائلة من منظومات الليزر الدفاعية التي تطورها رفائيل. تشمل هذه العائلة ثلاث منظومات رئيسية. الأولى: IRON BEAM وهي النسخة الأساسية للدفاع الجوي. الثانية: IRON BEAM M وهي نسخة تكتيكية متحركة مخصصة للقوات البرية وحماية المواقع الإستراتيجية. الثالثة: LITE BEAM وهي منظومة ليزر خفيفة بقدرة تقارب 10 كيلوواط توفر حماية للقوات المتحركة في الميدان16.
تتمثل إحدى أهم مزايا منظومات الليزر في انخفاض تكلفة الاعتراض مقارنة بالصواريخ الاعتراضية التقليدية. فبينما قد تصل تكلفة الصاروخ الاعتراضي في بعض الأنظمة إلى عشرات أو مئات آلاف الدولارات تعتمد منظومات الليزر أساسًا على الطاقة الكهربائية ما يجعل تكلفة الاعتراض منخفضة جدًا مقارنة بالاعتراض الصاروخي. كما أن هذه المنظومات لا تعاني من مشكلة نفاد الذخيرة إذ يمكنها تنفيذ عدد كبير من عمليات الاعتراض المتتالية.
تعكس هذه المنظومة أيضًا حجم الاستثمار الإسرائيلي في التكنولوجيا العسكرية. تشير البيانات إلى أن شركة رفائيل تستثمر أكثر من 6 مليارات شيكل سنويًا في البحث والتطوير كما يبلغ حجم دفتر طلباتها نحو 70 مليار شيكل17. وقد حصلت الشركة على 63 جائزة أمن إسرائيل تقديرًا لمساهماتها في تطوير الأنظمة الدفاعية من بينها جوائز مرتبطة بمنظومة "مقلاع داود" ومشاريع دفاعية متقدمة. لذلك ينظر إلى "أور إيتان" بوصفها خطوة مهمة في تطوير الدفاع الجوي ووسيلة لتغيير معادلة الكلفة في الحروب التي تعتمد على هجمات كثيفة منخفضة الكلفة.
سادسًا: منظومة "القبة الواقية"
تشكل منظومة "القبة الواقية" النسخة البحرية من منظومة القبة الحديدية، وقد طورتها شركة رفائيل لتعمل ضمن منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية المتعددة الطبقات18. صُممت هذه المنظومة لتوفير حماية بحرية للبنية التحتية الإستراتيجية والمياه الاقتصادية لإسرائيل، خصوصًا في مواجهة التهديدات الجوية القادمة من البحر أو من اتجاهات بعيدة نسبيًا.
تُنشر المنظومة على متن سفن ساعر 6 التابعة لسلاح البحرية الإسرائيلي وتعد جزءًا من منظومة الدفاع الجوي الشاملة. وقد سجلت المنظومة أول اعتراض عملياتي لطائرة مسيّرة في خليج إيلات عام 2024 وهو ما عُدّ مؤشرًا على انتقالها إلى مرحلة الاستخدام العملياتي الفعلي19.
تشكل منظومة "القبة الواقية" النسخة البحرية من منظومة القبة الحديدية.
تعتمد القبة الواقية في بنيتها التقنية على الأساس العملياتي لمنظومة القبة الحديدية، إذ صُممت لاعتراض التهديدات الجوية قصيرة المدى بما في ذلك الصواريخ وقذائف الهاون والطائرات غير المأهولة وصواريخ الكروز. يبلغ مدى الاعتراض في هذه المنظومة نحو 40 كيلومترًا، ما يجعلها مناسبة لحماية الأهداف البحرية والساحلية القريبة. وتكمن أهميتها في قدرتها على توفير حماية لمنصات الغاز والسفن العسكرية في مواجهة التهديدات الجوية منخفضة الارتفاع التي قد تُطلق من البر أو من منصات بحرية أو بواسطة طائرات مسيّرة.
تعمل المنظومة وفق مبدأ اعتراض يعتمد على الانفجار بالقرب من الهدف وليس الاصطدام المباشر به. فالصاروخ الاعتراضي لا يصطدم بالهدف بصورة مباشرة، بل ينفجر على مسافة قريبة منه مطلقًا شظايا تؤدي إلى تدميره أو إلحاق ضرر كافٍ به لإسقاطه قبل وصوله إلى الهدف. يختلف هذا الأسلوب عن بعض الأنظمة الأخرى في منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية التي تعتمد على مبدأ الاصطدام المباشر بين الصاروخ الاعتراضي والهدف.
تشارك عدة شركات ومؤسسات دفاعية إسرائيلية في تطوير هذه المنظومة. فقد تولت شركة "رفائيل" مهمة التطوير الرئيسي للمنظومة، كما هو الحال في منظومة القبة الحديدية. أما الصناعات الجوية الإسرائيلية عبر قسم "إلتا" فقد طورت الرادار البحري MF-STAR (Multi-Function Surveillance, Track and Guidance Radar) الذي يعمل بوصفه العنصر المركزي في الكشف عن الأهداف الجوية وتتبعها وتوجيه عملية الاعتراض. وفي الوقت نفسه طورت شركة "mPrest" نظام القيادة والسيطرة الذي يتيح إدارة عملية الاعتراض وتنسيقها مع بقية منظومات الدفاع الجوي.
تُعد سفن ساعر 6 المنصة الأساسية لتشغيل هذه المنظومة. وقد صُممت هذه السفن أساسًا لحماية منصات الغاز في البحر المتوسط والمنشآت البحرية الحيوية. وتتميز السفن برادارات متقدمة ومنظومات دفاع متعددة الطبقات، بما في ذلك رادار MF-STAR وأنظمة صاروخية للدفاع الجوي والبحري ما يسمح لها بأداء دور دفاعي مزدوج يشمل حماية السفينة نفسها وحماية المنشآت البحرية القريبة منها. وقد اكتمل إدخال السفينة الرابعة من هذا الطراز إلى الخدمة بعد عملية استمرت أكثر من عامين، ما عزز القدرات الدفاعية البحرية الإسرائيلية في البحر المتوسط والبحر الأحمر.
تندرج القبة الواقية ضمن الطبقة الدنيا في منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية، إذ تشمل هذه الطبقة منظومة القبة الحديدية المصممة لاعتراض التهديدات الصاروخية قصيرة المدى حتى 40 كيلومترًا وتبلغ تكلفة الاعتراض فيها نحو 30 ألف دولار للصاروخ الواحد20.
سابعًا: منظومات الدفاع الجوي الأمريكية في حماية إسرائيل
منظومة THAAD وهي اختصار لـ Terminal High Altitude Area Defense، تعد منظومة دفاع جوي متنقلة مخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية على ارتفاعات عالية، وتتمتع بقدرات مشابهة لمنظومة حيتس الإسرائيلية. تستطيع المنظومة اعتراض الصواريخ خارج الغلاف الجوي أيضًا، وتعتمد في عملية الاعتراض على الطاقة الحركية لتدمير الصاروخ المهاجم. كما يمكن توجيهها لاعتراض أهداف في مراحل مختلفة من مسار الصاروخ المعادي إضافة إلى تهديدات أخرى21.
تشير دراسة صادرة عن جامعة براون إلى أن الولايات المتحدة خصصت نحو 4.86 مليار دولار لتعزيز نشاطها العسكري في الشرق الأوسط بعد الهجوم الإيراني على إسرائيل في العام الماضي، مع تركيز خاص على تطوير قدرات الدفاع الجوي في المنطقة. يأتي ذلك بالتوازي مع حجم كبير من المساعدات العسكرية التي قدمتها واشنطن لإسرائيل منذ هجمات السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، والتي بلغت نحو 18 مليار دولار وفق تقديرات مراكز بحثية أمريكية عدة22.
منظومة THAAD تعد منظومة دفاع جوي متنقلة مخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية على ارتفاعات عالية.
تتكوّن منظومة THAAD الدفاعية من أربعة مكونات أساسية. يشمل ذلك قاذفات متحركة يمكن نقلها بسرعة وسهولة، وتحمل كل قاذفة ثمانية صواريخ اعتراضية. وتشمل المنظومة كذلك الصواريخ الاعتراضية نفسها، وهي صواريخ لا تحمل رؤوسًا متفجرة، بل تعتمد على الطاقة الحركية الناتجة عن الاصطدام المباشر لتدمير الهدف. كما تضم رادارًا متقدمًا عالي القدرة يتيح الكشف المبكر عن إطلاق الصواريخ الباليستية وتعقّبها بدقة، ثم توجيه الصواريخ الاعتراضية نحوها. ويضاف إلى ذلك وحدة تحكم تتولى إدارة عملية الإطلاق والتنسيق بين مكونات المنظومة23.
تعمل المنظومة وفق مبدأ Hit-to-Kill الذي يقوم على تدمير الصاروخ الباليستي عبر الاصطدام المباشر بين الصاروخ الاعتراضي والهدف. يهدف هذا الأسلوب إلى تقليل الأضرار الجانبية المرتبطة بعمليات الاعتراض، لأنه يقلل الحاجة إلى استخدام المتفجرات. لذلك لا يحمل الصاروخ الاعتراضي رأسًا حربيًا، بل يعتمد على الطاقة الحركية الناتجة عن سرعة الاصطدام لتدمير الهدف. وقد طُوِّرت هذه المنظومة أساسًا لمواجهة تهديد الصواريخ الباليستية من فئة سكود وما يماثلها، إلا أنها لا تمتلك قدرة مصممة لاعتراض الصواريخ الباليستية العابرة للقارات.
تم نقل البطارية الأولى من هذه المنظومة إلى إسرائيل بطلب إسرائيلي من الولايات المتحدة، وذلك في إطار السعي إلى إظهار القوة وتعزيز الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة. وتشغّل هذه البطارية في إسرائيل قوات أمريكية، ويقدّر عدد الجنود الذين يشغلونها بنحو 100 جندي أمريكي.
وكانت البطارية الأولى قد وصلت إلى إسرائيل في أكتوبر 2024، وتمكنت منذ ذلك الحين من اعتراض عدة صواريخ أُطلقت من اليمن. وفي هذا السياق قال القائد السابق لمنظومة الدفاع الجوي في الجيش الإسرائيلي، العميد تسفيكا حايموفيتش، إن هذه المنظومة "موازية لمنظومة حيتس الإسرائيلية، ولا تهدف إلى إضافة طبقة دفاع جديدة أو استبدال منظومة قائمة، بل إلى زيادة قوة النيران الدفاعية، فكل بطارية من هذا النوع تأتي مع عشرات الصواريخ الاعتراضية ما يضيف قدرة كبيرة. لذلك فإن إضافة بطارية كهذه توفر فرص اعتراض إضافية وتزيد القدرة على مواجهة السيناريوهات الشديدة التي قد تفرضها إيران"24.

