توطئة المركز
نشر معهد دراسات الأمن القومي بتاريخ 29 آذار 2026، ضمن سلسلة "مباط عال"، العدد 2124، للباحثة كرميت فالنسي، ورقة1 تحليلية بعنوان "سوريا في ظل الحرب على إيران، إعادة تموضع واستثمار الفرص الإقليمية"، تناولت فيها تحولات السلوك السوري في سياق التصعيد الإقليمي ومساعي دمشق لإعادة تموضعها سياسيًا وأمنيًا واستثمار الأزمة لتعزيز مكانتها ضمن النظام الإقليمي. وقد قام المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع"مسداد" بترجمتها إلى العربية.
وتركّز الورقة على فرضية رئيسية مفادها أن سوريا، برئاسة أحمد الشرع، تتبنى سياسة "حياد نشط" تقوم على الابتعاد عن إيران والانخراط في حراك دبلوماسي وأمني يهدف إلى إعادة تموضعها إقليميًا وتعزيز حضورها الحدودي والسعي للاندماج في النظام العربي مع الإقرار بأن هذه الإستراتيجية تواجه قيودًا داخلية وخارجية وتنعكس في المواجهة مع حزب الله وإسرائيل حيث تحاول دمشق استثمار الحرب دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة في ظل ضغوط اقتصادية ومدنية متفاقمة. في المقابل، تطرح هذه التحولات أمام إسرائيل معادلة مركبة تجمع بين الشك وإمكانية الاستفادة، ما يدفع نحو تبني سياسة تجمع بين الردع واختبار فرص التعاون المحدود بما يخدم الاستقرار الإقليمي.
ملخص
{سوريا بقيادة أحمد الشرع ليست طرفًا مباشرًا في الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، لكنها لا تتصرف كطرف محايد أو سلبي، إذ تُظهر دمشق نشاطًا دبلوماسيًا مكثفًا يهدف إلى استثمار الأزمة الإقليمية للابتعاد عن المحور الإيراني وإعادة التموضع داخل النظام الإقليمي وتقديم نفسها كفاعل بنّاء، وفي الوقت نفسه تعمل على تعزيز قدراتها العسكرية وتكثيف نشاطها على الحدود خصوصًا في مواجهة حزب الله في لبنان وفي الجنوب السوري مع استمرار قيود واضحة تتمثل في ضعف الدولة وتعدد الضغوط الخارجية واحتمالات التصعيد مع إسرائيل. وقد أظهرت حوادث الجنوب مؤخرًا حجم الاحتكاك وتعقيد العلاقة مع تل أبيب، ما يفرض على إسرائيل إدارة دقيقة تقوم على موازنة الردع مع اختبار فرص التعاون بهدف تقليل التوتر ودفع مسارات الاستقرار الإقليمي}
مع تصاعد الحرب مع إيران وامتدادها إلى ساحات إضافية في المنطقة لا تشارك سوريا بشكل مباشر في القتال، لكن تداعيات هذه الحرب تنعكس عليها بوضوح. وفي الواقع لا تقف دمشق على الهامش، إذ تعتمد تحت قيادة أحمد الشرع نمط عمل يمكن تعريفه بالحياد النشط، أي الامتناع عن الانخراط المباشر في القتال مقابل تفعيل أدوات دبلوماسية وأمنية، ما يتيح لها استثمار الأزمة الإقليمية لتعزيز موقعها وإعادة تموضعها في الساحة الشرق أوسطية.
التحول الأبرز في هذا السياق يظهر في موقف سوريا من المحور الإيراني، ففي عهد الأسد شكّلت سوريا حلقة مركزية في ما يُعرف بمحور المقاومة وكانت بمثابة مركز لوجستي وجغرافي لنقل الأسلحة ونشر القوات الإيرانية وكذلك لنشاط حزب الله، لكن بعد سقوطه في كانون الأول 2024 اضطرت إيران إلى سحب معظم أصولها وقواتها من الأراضي السورية. ومنذ ذلك الحين يُنظر إليها بشكل متزايد كتهديد مركزي للدولة السورية، فمنذ الأيام الأولى لوصول أحمد الشرع إلى الحكم عمل نظامه على مواجهة حزب الله وإحباط عمليات تهريب السلاح عبر الأراضي السورية. وبناءً عليه فإن الجهد الأمريكي الإسرائيلي لاحتواء إيران وإضعافها يتقاطع مع المصلحة السورية.
كما حدث في حرب الأيام الاثني عشر في صيف 2025، المعروفة باسم عملية "شعبي كالأسد"، تؤدي سوريا مرة أخرى دور ممر إستراتيجي، إذ تتيح حرية عمل جوي لإسرائيل والولايات المتحدة فوق أراضيها، خاصة لاعتراض التهديدات الإيرانية. وإذا كان الوضع في حزيران 2025 قد اتسم بغضّ طرف سوري عن النشاط الإسرائيلي، وربما بغياب القدرة على الاختيار، فإن الحرب الحالية تشير إلى وجود قدر من التنسيق والتعاون من جانب دمشق في ضوء تعزز علاقاتها مع الولايات المتحدة.
جهد دبلوماسي محسوب
امتناع سوريا عن الانخراط في عمل عسكري مباشر لا يدل على سلبية، إذ إن الحملة الدبلوماسية المكثفة التي يقودها أحمد الشرع منذ بداية الحرب والتي تتجلى في تواصل مباشر ومستمر مع عدد من قادة المنطقة، وتشمل إدانة لما يصفه بالعدوان الإيراني والتنبيه إلى ما يمثله من تهديد لاستقرار الإقليم، تعكس سعيًا واضحًا لاستثمار الحرب وتقديم سوريا كفاعل ذي قيمة ودور بنّاء.
فيما يتعلق بالولايات المتحدة، فإن السماح باستخدام المجال الجوي السوري في تنفيذ ضربات على إيران، رغم ما يترتب على ذلك من أضرار في الأرواح والممتلكات، يهدف إلى ترسيخ صورة سوريا كشريك مسؤول يستحق استمرار الدعم السياسي والاقتصادي. وفي هذا السياق تحمل زيارة أحمد الشرع المرتقبة إلى لندن وبرلين دلالة سياسية واضحة، إذ تشير إلى مواصلة نهج نشط أيضًا على الساحة الأوروبية.
على الصعيد الإقليمي، تشير دمشق إلى رغبتها في الاندماج ضمن المعسكر السني الذي تعدّه فضاءها الطبيعي، مع التشديد على رسالة تفيد بانفصالها الكامل عن المحور الإيراني. وتعكس سلسلة الاتصالات الدبلوماسية مع السعودية والإمارات وقطر ولبنان والأردن وأذربيجان جهدًا منسقًا لا يهدف فقط إلى اكتساب الشرعية، بل إلى إبراز القيمة الإستراتيجية لسوريا. وفي هذا السياق، ومع تصاعد التهديدات لطرق الملاحة في البحر الأحمر، يطرح أحمد الشرع سوريا كمسار بري بديل يمكن أن يربط الخليج بالبحر المتوسط، ويقدّم مقترحات لإنشاء آليات تنسيق أمني إقليمي وأفكارًا لتأسيس غرفة عمليات مشتركة مع دول الخليج.
فيما يتعلق بإسرائيل، ورغم تعقيد العلاقات بين الطرفين، يبدو أن سوريا تسعى إلى إبراز المزايا التي قد تنطوي عليها ترتيبات أمنية مشتركة فيما يخص مواجهة إيران ووكلائها، وذلك أيضًا في سياق التفكير في مرحلة ما بعد الحرب.
نشاط أمني على الحدود
الحدود السورية اللبنانية
على خلفية تقارير أفادت بنشاط حزب الله قرب الحدود السورية - بما في ذلك قصف مدفعي ونقل تعزيزات، بدأ الجيش السوري في تعزيز وجوده في المنطقة. وقد ظهرت مؤخرًا مؤشرات تدل على نية هجومية سورية تجاه حزب الله، تشمل احتمال التوغل داخل الأراضي اللبنانية ودراسة إنشاء منطقة عازلة على طول الحدود. وإذا ما نُفّذ مثل هذا التحرك فإنه قد يشكل تحولًا مهمًا، إذ سيعكس استعدادًا سوريًا لفتح جبهة قتال ضد حزب الله والحد من حرية عمله ونفوذه. ووفقًا لتقرير نشرته رويترز في 17 آذار، شجعت الولايات المتحدة سوريا على النظر في اتخاذ إجراء ضد حزب الله بما في ذلك إمكانية نشر قوات في شرق لبنان، في إطار جهد أوسع لاحتواء النفوذ الإيراني. غير أن دمشق تتردد في اتخاذ خطوة من هذا النوع خشية الانجرار إلى مواجهة إقليمية واسعة وتصعيد التوترات الداخلية والطائفية. وبعد وقت قصير من نشر التقرير صرّح المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم باراك بأن هذه المعلومات غير دقيقة وتندرج ضمن تقارير مضللة.
على أي حال، يندرج هذا الخيار ضمن منظومة اعتبارات معقدة ومحمّلة بالمخاطر لدى أحمد الشرع، فالجيش السوري لا يزال في طور إعادة البناء وقدراته محدودة، كما يواجه تحديات داخلية متعددة وينشغل بدمج القوات الكردية في الشمال الشرقي وبفرض السيطرة على المناطق الطرفية. إضافة إلى أن الموقف التركي الرافض لانخراط سوريا في لبنان يشكل عاملًا حاسمًا في حساباته، فضلًا عن أن الشرع لا يستطيع تحمّل تبعات ظهوره كمن يعمل في خدمة المصالح الإسرائيلية، وهو خطاب بدأ يتردد بالفعل في الفضاءات الرقمية داخل سوريا.
من منظور إسرائيلي لا يبدو أن مثل هذا التحرك سيُستقبل بالضرورة بشكل إيجابي؛ فعلى الرغم من أن مواجهة سورية مع حزب الله وفتح جبهة إضافية ضده قد تسهم في إضعافه، فإن الشكوك الإسرائيلية تجاه طبيعة الشرع ونواياه قد تدفع إلى تفسير هذه الخطوة بوصفها مؤشرًا على نزعة هجومية لدى الرئيس الجديد وربما كإشارة إلى نوايا مستقبلية قد تشمل إسرائيل نفسها. لذلك، وحتى في حال وجود تفكير أولي في دمشق لتنفيذ عمل هجومي ضد حزب الله، يبدو أن كلفة هذا الخيار، بما في ذلك ما قد يثيره من ريبة إسرائيلية، قد رجحت على مكاسبه المحتملة.
وفي هذا السياق، أوضح أحمد الشرع في اتصالاته مع قادة المنطقة أن تعزيز قواته يهدف إلى أغراض دفاعية فقط. وخلال مكالمة هاتفية ثلاثية مع رئيسي فرنسا ولبنان، أعرب عن دعم سوريا الكامل لاستقرار لبنان وأمنه ولجهود الحكومة اللبنانية في ترسيخ سيادتها ونزع سلاح حزب الله، كما دعا خلال المحادثة إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات السورية اللبنانية تقوم على التعاون والتنسيق بين الدولتين بما يخدم مصالحهما المشتركة.
الحدود السورية الإسرائيلية
تبدو الصورة أكثر تعقيدًا فيما يتعلق بالوضع في جنوب سوريا وبالعلاقة مع إسرائيل. فمن جهة تتخذ دمشق خطوات تُقدَّم على أنها إيجابية: فإلى جانب إتاحة حرية العمل الجوي، عززت قوات الأمن وجودها في منطقة القنيطرة بهدف إنشاء ما تصفه بـ"خط أمني" لمنع نشاط جهات مرتبطة بإيران ووكلائها ضد إسرائيل وتقليص الاستفزازات التي قد تستدعي ردًا إسرائيليًا. ومن جهة أخرى يُفسَّر هذا التحرك في إسرائيل على أنه محاولة من أحمد الشرع لاستغلال المواجهة مع إيران وحزب الله من أجل تعزيز قواته بما قد يتيح استهداف الدروز، وهو ما دفع إلى توجيه رسائل تحذيرية بعدم استغلال الوضع القائم.
بعد نحو أسبوعين، تصاعد التوتر بين الطرفين، وللمرة الأولى منذ تموز 2025 شنّت إسرائيل ضربات على أهداف تابعة للجيش السوري في 20 آذار. وجاءت هذه الضربة على خلفية مواجهات عنيفة بين مجموعات مسلحة درزية وقوات النظام، إذ أفادت مصادر في السويداء باندلاع اشتباكات في الريف الغربي للمحافظة بين قوات الأمن الداخلي السورية ووحدات من "الحرس الوطني"، وهو تشكيل مسلح يرتبط بالزعيم الدرزي في المنطقة الشيخ حكمت الهجري. وجاء في بيان صادر عن هذه الجهات أن "قوات الإرهاب التابعة لحكومة دمشق" نفذت سلسلة هجمات ممنهجة ضد سكان الجبل شملت عمليات خطف وهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة وأسفرت عن مقتل سبعة أشخاص واختطاف واعتقال آخرين.
في المقابل أعلنت وزارة الداخلية السورية أن العملية كانت إجراءً خاصًا لإحباط محاولة تهريب أسلحة وذخائر إلى مجموعات خارجة عن القانون، وذكرت مصادر محلية أن جهات بدوية قدّمت معلومات مسبقة مكّنت القوات من تنفيذ كمين مخطط ودامٍ ضد الدروز. وردًا على ذلك استهدفت إسرائيل قواعد ومستودعات أسلحة تابعة للفرقة 40 في الجيش السوري الجديد. وتأتي هذه التطورات في سياق احتكاكات متكررة بين القوات السورية والدروز خلال الأشهر الأخيرة، غير أن توقيت التصعيد سواء من جانب التحرك السوري أو الرد الإسرائيلي في ظل الحرب الإقليمية يثير تساؤلات بشأن دلالاته وحدوده.
من الزاوية السورية، يمكن تقدير أن النظام حاول استغلال انشغال إسرائيل والإقليم لتقديم خطوة داخلية، تتمثل في تصفية حساب مع تشكيل "الحرس الوطني" الذي يبادر إلى الاحتكاك مع قواته ويُتهم بالسيطرة على المساعدات الإنسانية وممارسة أعمال ترهيب، فضلًا عن تورطه في الاتجار بالسلاح والمخدرات. وعلى غرار ما قام به في مواجهة القوات الكردية في الشمال الشرقي، يسعى أحمد الشرع إلى ترسيخ السيادة وبسط السيطرة التدريجية أيضًا على منطقة جنوب سوريا.
من الجانب الإسرائيلي، ورغم أن الحديث دار عن مواجهة محلية بين مجموعات مسلحة من دون استهداف مدنيين دروز (وهو ما يثير تساؤلات حول مبرر التدخل في الشأن الداخلي السوري)، يمكن تفسير الضربة بأنها محاولة لوقف تقدم قوات أحمد الشرع قبل أن يتطور الحدث إلى مواجهة واسعة قد تنتهي بمجزرة كما حدث في تموز 2025.
في المقابل يرى آخرون أن امتناع إسرائيل عن التدخل سابقًا يعكس سعيها إلى استغلال انشغال الإقليم والمجتمع الدولي بإيران لإبراز قدرتها الردعية في الساحة السورية وتوجيه رسالة تحذير إلى الشرع من خطوات غير مرغوبة تجاه الدروز أو عمومًا. كما تشير روايات سورية إلى أن إسرائيل سعت إلى رفع مستوى التوتر مع دمشق بهدف إبعاد نفسها عن المسار الذي تدفع به الولايات المتحدة نحو تفاهم أمني قد يفضي إلى انسحاب إسرائيلي من الأراضي السورية. وفي الأثناء قوبلت الضربة بسلسلة إدانات من تركيا وقطر ومصر والأردن والسعودية والكويت وجامعة الدول العربية التي اعتبرت الهجوم انتهاكًا لسيادة سوريا. ومع ذلك، وبموازاة الإدانة الرسمية السورية، أُفيد بأن جهات في وزارة الداخلية أوفدت مسؤولين لتوجيه قوات الأمن الداخلي في غرب السويداء وربما لضبط سلوكها في المراحل اللاحقة.
تداعيات مدنية واقتصادية
إلى جانب التداعيات الأمنية، تترك الحرب بين إسرائيل وإيران آثارًا اقتصادية ومدنية ملموسة على سوريا، إذ أدت الاضطرابات في إمدادات الطاقة، ولا سيما تدفق الغاز، إلى تفاقم أزمة الكهرباء في سوريا مع تراجع حاد في توفر الطاقة بعد فترة تحسن قصيرة. كما أسفر توقف إمدادات الغاز من مصر عبر الأردن عن انخفاض يقارب 50% في ساعات تزويد الكهرباء داخل سوريا، وذلك أيضًا بعد تحسن نسبي محدود في بداية العام.
في الوقت نفسه، تؤدي حالة عدم الاستقرار الإقليمي إلى إبطاء مسار التعافي الاقتصادي الهش مع تأثير مباشر على حركة التجارة والقدرة على جذب الاستثمارات وتحقيق النمو. وتواجه الفئات المدنية تدهورًا في ظروف المعيشة وتراجعًا في مستوى الخدمات الأساسية وتصاعدًا في الضغوط الاجتماعية، خاصة في ظل عودة آلاف اللاجئين السوريين من لبنان وما يترتب على ذلك من عبء إضافي على بنية تحتية تعاني أصلًا من محدودية حادة. ومن شأن هذه العوامل مجتمعة أن تعمّق حالة عدم الاستقرار الداخلي وتوسّع مظاهر الاحتجاج والرفض داخل المجتمع السوري.
في هذا السياق، جاء خطاب أحمد الشرع بمناسبة عيد الفطر في قصر الشعب بدمشق كمحاولة واضحة لاحتواء الضغوط المرتبطة بالأزمة الاقتصادية واستعادة ثقة الجمهور، إذ ركّز في كلمته، التي ألقاها أمام قيادات النظام وممثلين عن مكونات اجتماعية مختلفة، على إبراز ما يعدّه إنجازات حكومته، مع سعي لإعادة تأطير الوضع الاقتصادي بوصفه في مسار تحسن لا كأزمة مستمرة. وقد أقرّ بوجود تحديات كبيرة، لكنه قدّمها على أنها "مرحلة انتقالية"، محذرًا في الوقت نفسه من محاولات تقويض الاستقرار من الداخل في هذه المرحلة الحساسة.
الدلالات
يُظهر أحمد الشرع نمط قيادة براغماتيًا يتسم بالحذر والقدرة على المناورة ضمن هامش مقيد باعتبارات أيديولوجية وضغوط نابعة من قاعدته الداعمة، ما يفرض عليه موازنة دقيقة بين البراغماتية السياسية والحفاظ على الشرعية الداخلية. وفي ظل الحرب والتحولات في ميزان القوى الإقليمي الناتجة عنها، يسعى إلى استثمار فرصة إستراتيجية لتعزيز قوة سوريا ونفوذها ومكانتها، والابتعاد عن المحور الإيراني وإعادة دمجها في الفضاء العربي وإعادة تموضعها في مركزه كفاعل ذي صلة وقيمة إقليمية على المستويين الأمني والاقتصادي.
بالنسبة لإسرائيل، تطرح هذه المعادلة معضلة مركبة: فمن جهة يظل انعدام الثقة تجاه النظام الجديد عميقًا وله ما يبرره، خاصة في ضوء الخلفية السابقة لأحمد الشرع والمرجعية الأيديولوجية الجهادية التي انطلق منها، ومن جهة أخرى تبرز إمكانية، وإن كانت محدودة وهشة، لرؤية سوريا كفاعل يمتلك مصالح تتقاطع جزئيًا مع المصالح الإسرائيلية، لا سيما في ما يتعلق بكبح النفوذ الإيراني وضبط نشاط حزب الله، وربما اختبار إمكانية إدماجها، بدعم أمريكي، ضمن مسارات عمل تسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي.
في هذا الوضع تقتضي السياسة الإسرائيلية الفاعلة الجمع بين الحذر واستثمار الفرص: فمن جهة يتعين على إسرائيل أن تواصل الحفاظ على حرية عملها العسكري وقدرتها على الرد السريع على أي تهديد كما برهنت في السنوات الأخيرة، ومن جهة أخرى يظل من المجدي بحث سبل توجيه سوريا ولو بصورة غير مباشرة وتدريجية نحو مسارات تخدم المصالح الإسرائيلية، إذ يمكن أن يسهم الحفاظ على قنوات الاتصال ومنع التصعيد غير الضروري وتشجيع النزعات البراغماتية في دمشق في دعم استقرار إقليمي أوسع. فإذا واصلت سوريا بالفعل هذا المسار البراغماتي فقد تجني إسرائيل من ذلك فائدة إستراتيجية، أما إذا انحرفت عنه فقد أثبتت إسرائيل بالفعل أنها تعرف كيف ترصد التهديد وترد عليه بقوة.

