مدخل
شهدت مفاهيم الأمن والعمل الشرطي خلال العقود الأخيرة تحولات جوهرية عكست إدراكًا متزايدًا لحدود النماذج التقليدية القائمة على الردع والقوة، خاصة في المجتمعات المتنوعة أو الخارجة من صراعات. ومع تصاعد أزمات الثقة بين الدولة والمجتمع، برزت الحاجة إلى مقاربات أمنية أكثر شمولًا، تأخذ في الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لانعدام الأمن، وتعيد تعريف دور الشرطة بوصفها فاعلًا شريكًا في إدارة الأمن وليس مجرد أداة تنفيذية بيد السلطة.
في هذا الإطار، اكتسب مفهوم الشرطة المجتمعية أهمية متزايدة في الأدبيات الأمنية المعاصرة باعتباره نموذجًا يسعى إلى تحقيق الأمن عبر الشراكة، والوقاية، وحل المشكلات من جذورها، بدل الاكتفاء بمعالجة أعراضها. وتزداد أهمية هذا النقاش في الحالة السورية، إذ تفرض مرحلة ما بعد نظام الأسد تحديات مركّبة تتعلق بإعادة بناء المؤسسات، وترميم العلاقة بين المجتمع والأجهزة الأمنية، وصياغة نموذج أمني قادر على الاستجابة لتعددية اجتماعية عميقة وتجارب طويلة من العنف والتهميش.
مفهوم الشرطة المجتمعية وكيفية عملها
يمكن القول بأن مفهوم الشرطة المجتمعية هو تحول في فلسفة العمل الشرطي من نموذج تقليدي قائم على الردع والسيطرة إلى نموذج يقوم على الشراكة والتواصل المستمر مع المجتمع المحلي1، إذ بدأ بالتبلور أواخر القرن العشرين كرد فعل على أزمة الثقة بين الشرطة والمجتمع، بعد أن أثبتت التجارب أن النموذج التقليدي القائم على الدوريات والرد السريع لم ينجح في خفض معدلات الجريمة أو تعزيز الشرعية الأمنية، ولذلك أصبح لزامًا البحث عن أدوات جديدة لتعزيز عمل الشرطة.2
بطبيعة الحال فإن "الشرطة المجتمعية" لا تعني تحويل وظيفة الشرطي إلى عمل اجتماعي بحت، بل تقوم على التعاون الوثيق بين الشرطة والمجتمع المحلي لتشخيص المشكلات الأمنية في جذورها الاجتماعية والاستفادة من خبرة القادة المجتمعيين في وضع حلول مناسبة مع التركيز على الوقاية قبل وقوع الجريمة، باعتبار هذه الحلول قد تتوافق مع بنية هذا المجتمع، ولكنها قد لا تتوافق مع غيره.
تكمن الفكرة الأساسية من هذا النموذج على إشراك المواطنين في إيجاد حلول لمشكلاتهم باعتبارهم الأكثر إدراكًا لاحتياجاتهم الأمنية والاجتماعية، الأمر الذي يعزز العدالة ويقلل الخوف من الجريمة ويزيد احترام النظام العام ورضا المواطنين. ويرتكز المفهوم أساسًا على عنصرين رئيسيين: الشراكة المجتمعية وحل المشكلات3.
تعمل الشرطة المجتمعية بشكل رئيس ضمن منطق التدخل المحلي الموجّه بالمشكلات وليس من خلال استجابة أمنية عامة أو مركزية. إذ يُقسم المجال الحضري إلى وحدات جغرافية صغيرة، تكلف فيها فرق شرطية ثابتة بالعمل الدائم داخل الحي نفسه، بما يسمح بتراكم معرفة دقيقة بطبيعة السكان، ومصادر التوتر، وأنماط السلوك الاجتماعي المتكرر. ويُبنى هذا العمل على ما يسمى بـ "العقد المحلي للأمن"، وهو بدوره إطار تنسيقي تشاركي يضم الشرطة والسلطات الإدارية والقضائية والفاعلين الاجتماعيين، إذ تُحدد من خلاله أولويات الأمن المحلي انطلاقًا من تشخيص جماعي للمشكلات، وليس من تعليمات فوقية4.
ضمن هذا العقد، تعمل الشرطة بوصفها شريكًا في التحليل والتخطيط والمتابعة. كما تركز الشرطة المجتمعية على معالجة الأسباب البنيوية لانعدام الأمن، مثل: النزاعات الاجتماعية، والجنوح، والسلوكيات المقلقة للحياة اليومية، وذلك عن طريق أدوات غير قسرية في المقام الأول، مثل: الحوار، والوساطة، والإحالة إلى الجهات الاجتماعية المختصة، مع الاحتفاظ بالتدخل القانوني عند الضرورة. وبالغالب تأتي فعالية هذا النموذج مشروطة ببناء الثقة، واحترام الحقوق والحريات، وشفافية الأداء5.
التعددية والتعافي بعد الصراع: أهمية الشرطة المجتمعية في السياق السوري
تبدو سوريا اليوم، وهي الدولة التي خرجت من صراع استنزف مؤسساتها لأكثر من عقد، في حاجة ملحة إلى تبني نموذج الشرطة المجتمعية كمدخل لبناء العلاقة المتصدعة بين المجتمع والأجهزة الأمنية بعد الإرث الدموي الذي خلّفه نظام الأسد. فقد خلّف النظام السابق مؤسسات مترهلة وقلة ثقة، الأمر الذي يجعل العودة إلى الأساليب الأمنية التقليدية محاولة قاصرة عن استعادة الشرعية أو بناء استقرار حقيقي. وفي هذا السياق، تتيح الشرطة المجتمعية إطارًا مختلفًا لتشكيل قنوات تواصل منتظمة مع السكان، وإشراك الفاعلين المحليين في صياغة أولويات الأمن، بما يعيد الاعتبار لممارسات تقوم على المساءلة والاستجابة لحاجات الناس اليومية بدل الاكتفاء بفرض القوة6.
وتزداد أهمية هذا النهج في ضوء التركيبة السكانية السورية القائمة على تعددية إثنية ودينية يصعب التعامل معها من خلال مقاربة أمنية واحدة تُطبق على الجميع دون تمييز. فقد برزت خلال عام 2025 حوادث عديدة ابتداءً من "أحداث الساحل" إلى "أحداث السويداء"، وصولًا إلى التعامل مع أحياء داخل مدينة حلب ذات الكثافة الكردية كحيّي الشيخ مقصود والأشرفية بصفتهما شواهد حية على أن غياب الاعتبار لكافّة المكوّنات يفتح الباب أمام إعادة إنتاج التوتر بدل احتوائه. وتكشف هذه التجارب أن المنظومة الشرطية تبدو “محايدة” على الورق، لكنها منفصلة عن أولويات كل مكوّن، قد تزيد الشعور بالتهديد لدى الأقليات أو المكونات المحلية7.
في المقابل، يقدم نموذج الشرطة المجتمعية صيغة أكثر انسجامًا مع الواقع السوري؛ صيغة تقوم على تمثيل جميع المكونات، وفهم السياقات الثقافية والاجتماعية الدقيقة، وتفعيل أدوات الوساطة والحوار بدل اللجوء التلقائي إلى القمع أو الردع. ومن ثم، فإن تبني هذا النموذج يشكل خطوة ضرورية لبناء أمن يتشارك في صناعته المواطنون والدولة، ويستند إلى الثقة لا إلى الخوف وهو بالفعل ما بدأت العمل عليه الدولة السورية من خلال تفعيل شرطة محلية في جرمانا بريف دمشق.
الشرطة المجتمعية كمسار إصلاحي: إمكانات النجاح والفشل
لا يرتبط نجاح الشرطة المجتمعية بمجرد إشراك السكان في الحوار، بل بتمكينهم فعليًّا من التأثير في تحديد أولويات الأمن المحلي. فعندما ينتقل القرار الأمني إلى المستوى المحلي، يتحول الأمن إلى عملية تشاركية ذات شرعية اجتماعية ومن وظيفة سلطوية إلى مسؤولية مشتركة، ويبدو أن السلطات السورية تسير بخطى ثابتة نحو هذه الشراكة مع المجتمع المحلي مثل ما حدث من تطويع العشرات من العناصر المحلية "الدرزية" في أحياء مدينة جرمانا في ريف دمشق بعد الاتفاق مع وجهائها، الأمر الذي أنهى التوتر الذي حدث سابقًا، وأدى إلى أعمال عنف في هذه المنطقة8. وفي شمال سوريا يبرز مثال آخر مشابه إذ استقبلت مراكز التطويع في مدينة عفرين ذات الأغلبية الكردية مئات المتطوعين الكرد الذين تعتمد عليهم الآن السلطات كعامل مهم لبسط الأمن في المدينة9. بالإضافة لقبول الدولة السورية الاعتماد على قوى شُرطية من أبناء مدينة عين العرب/كوباني في اتفاقها الأخير مع "قسد"10.
وتزداد فاعلية هذا النموذج حين يتجه العمل الشرطي نحو الفئات الهشة، بوصفها الأكثر عرضة لمخاطر الجريمة والتهميش، إذ يُسهم إدماج النساء والأحداث واللاجئين ضمن برامج الشرطة المجتمعية في تحويل الشرطة إلى جهة حامية ذات بعد اجتماعي، وهو توجه تفرضه الحالة السورية التي اتسعت فيها رقعة الفئات المتضررة بفعل النزاع11.
كما يعزز التمركز الجغرافي للشرطة ضمن وحدات محلية ثابتة من قدرة الجهاز الأمني على فهم البيئات الاجتماعية الدقيقة والتعامل مع المشكلات اليومية بمرونة وسرعة، الأمر الذي يمكن أن يسهم في إعادة تعريف العلاقة بين الشرطة والمجتمع في المناطق الخارجة من النزاع من علاقة خوف إلى علاقة معرفة وتفاعل12.
يكتمل هذا المسار عندما يُعاد تأهيل الشرطة على أدوات غير قسرية، مثل الحوار والوساطة والإحالة الاجتماعية، بما يسمح بتجاوز إرث العنف الأمني وترسيخ صورة الشرطة كفاعل ضامن الاستقرار الاجتماعي ويمكن الاستفادة من دول الإقليم كتجربة يمكن البناء عليها خاصة في الدول التي قطعت مراحل متقدمة في هذا المجال مثل الأردن13 وتركيا14.
في المقابل، تتآكل فرص نجاح الشرطة المجتمعية في البيئات التي تعاني من هشاشة التمويل، إذ يؤدي غياب الدعم المالي المستدام إلى توقف البرامج وفقدان أثرها التراكمي، وهو تحدٍ واضح في السياق السوري الذي يجعل أي تجربة مجتمعية قاصرة ما لم تُدعَم بتمويل كامل طويل الأمد15.
ويزداد هذا التحدي حدة في ظل ضعف التنسيق المؤسسي، إذ يؤدي غياب الدور المحلي الفاعل إلى تفريغ الشراكات الأمنية من مضمونها وتحويلها إلى ترتيبات شكلية، كما أن إخضاع الشرطة المجتمعية للاستخدام السياسي أو الدعائي يقوّض ثقة المجتمع بها ويفرغها من بعدها التشاركي، وهو خطر قائم ما لم تضمن استقلالية هذا النموذج عن الاستقطاب السياسي. ويظل غياب آليات واضحة للتقييم والمساءلة عاملًا حاسمًا في إعادة إنتاج أنماط الفشل السابقة، إذ يؤدي انعدام الشفافية إلى تحويل الشرطة المجتمعية من مشروع إصلاحي إلى واجهة خطابية لا تترك أثرًا فعليًّا في بنية الأمن المحلي16.
الشرطة المجتمعية تمثل تحولًا بنيويًّا في فلسفة الأمن ذاتها، من منطق السيطرة إلى منطق الشراكة.
خاتمة
تُظهر القراءة التحليلية لمفهوم الشرطة المجتمعية وآليات عملها أن هذا النموذج يمثل تحولًا بنيويًّا في فلسفة الأمن ذاتها، من منطق السيطرة إلى منطق الشراكة، ومن الاحتكار المؤسسي للأمن إلى تشاركه مع المجتمع. وفي البيئات الخارجة من النزاع، كما هو الحال في سوريا، تكتسب الشرطة المجتمعية قيمة إضافية بوصفها أداة لبناء الثقة والشرعية، شرط أن تُطبَّق ضمن إطار مؤسسي واضح يحميها من التسييس ويضمن استدامتها وشفافيتها.
غير أن هذا المسار يظل محفوفًا بمخاطر حقيقية، تتراوح بين هشاشة الموارد، وضعف التنسيق، وغياب المساءلة، وهي عوامل قادرة على تفريغ النموذج من مضمونه وتحويله إلى واجهة خطابية بلا أثر فعلي.
وعليه، فإن نجاح الشرطة المجتمعية لا يتوقف على استنساخ التجارب الدولية بقدر ما يرتبط بقدرة الفاعلين المحليين على تكييفها مع الخصوصيات الاجتماعية والسياسية لسوريا، وربطها بمشروع أوسع لإصلاح القطاع الأمني وبناء عقد اجتماعي جديد يجعل من الأمن خدمة عامة قائمة على الثقة، وليست مجرد أداة للضبط القسري.

