مدخل
تنص المادة (26) من الدستور الإيراني1 على السماح بتأسيس الأحزاب والجمعيات السياسية، بشرط عدم الإخلال بالاستقلال والوحدة الوطنية والمعايير الإسلامية وأسس الجمهورية الإسلامية. ويؤكد قانون نشاط الأحزاب والجماعات السياسية هذه الشروط تفصيلًا 2. عمليًّا يشكّل هذا الإطار القانوني أساس منع الأحزاب القومية، ومنها الأحزاب الكردية، إذ تُعد مطالبها السياسية متعارضة مع مفهوم الوحدة الوطنية. وبناءً عليه تُحظر هذه الأحزاب داخل البلاد، لكنها تواصل نشاطها عبر شبكات سرية في الداخل، مع تمركز قياداتها في الخارج.أولًا: الحدث والإحاطة الزمكانية
مطلع 2026: ضغط أمني ووقائع نوعية
تنفذ الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإيرانية أنشطة أمنية داخل إقليم كردستان العراق، إذ تراقب أنشطة الأحزاب الكردية الإيرانية وأعضائها وأنصارها. كما نفذت إيران عمليات قصف استهدفت جماعات كردية في الإقليم، رغم وجود اتفاق أمني مع العراق. كذلك طلبت طهران من بغداد تسليم أعضاء وقادة هذه الأحزاب لمحاكمتهم في إيران3.
أعقبت احتجاجات 28 كانون الأول/ديسمبر 2025 في طهران4، موجة تصعيد أمني شملت المناطق الكردية؛ لذلك أعلن ممثل حزب حرية كردستان (PAK) مشاركة جناحه المسلح في دعم المحتجين وتنفيذ عمليات مسلحة5. كما أعلنت الجماعة لاحقًا مقتل ستة من عناصر الحرس الثوري 6. وفي السياق نفسه أصدرت سبعة أحزاب كردية بيانًا مشتركًا دعمًا للاحتجاجات، ودعت إلى إضراب عام يوم الخميس 8 كانون الثاني/يناير الماضي في المناطق الكردية7.
أعقب ذلك تشديد أمني واسع شمل عمليات قمع واعتقالات وقيودًا رقابية، إضافة إلى تفكيك شبكات داخلية مرتبطة بالفصائل8. ومن أبرز الوقائع إعلان اعتقال 11 عنصرًا من قيادات حزب الحياة الحرة لكردستان (PJAK) في كرمانشاه ضمن شبكتين منظمتين9.
أعقبت احتجاجات 28 كانون الأول/ديسمبر 2025 في طهران، موجة تصعيد أمني شملت المناطق الكردية.
بالتوازي، استهدفت طائرة مسيّرة، مَركبةً مرتبطةً بقيادة حزب "كومله" (Komala) في إقليم كردستان العراق، الأمر الذي أدى إلى إصابة الأمين العام عمر إيلخاني زاده ومقتل أحد المرافقين10. تعكس الحادثة تصاعد المخاطر الأمنية العابرة للحدود التي تواجه قيادات المعارضة الكردية الإيرانية.
كما وجهت أحزاب كردية في كانون الثاني/يناير 2026 رسائل إلى أطراف دولية طالبت فيها دعم المحتجين وزيادة الضغط على طهران، الأمر الذي يشير إلى توسع أدواتها نحو التدويل السياسي والإعلامي إلى جانب النشاط الميداني11.
ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران
في 22 شباط/فبراير 2026 أعلنت خمسة أحزاب (PAK، PJAK، KDPI، منظمة خبات، كومله كادحي كردستان)، تشكيل "ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران" وطرحت هدف إسقاط النظام وتحقيق مبدأ حق تقرير المصير12.
جاء هذا التطور في سياق ثلاثة عوامل رئيسة:
- تصاعد الضغط الأمني الإيراني واعتقال قيادات داخلية.
- ضبط النشاط الحدودي ضمن توازنات بغداد وأربيل مع طهران.
- إدراك أثر الانقسامات التنظيمية والأيديولوجية في إضعاف الفاعلية السياسية.
يشير ذلك إلى عودة الملف الكردي بوصفه مؤشرًا على اتجاهات الاستقرار داخل إيران وتقاطعاته الإقليمية، وتتحرك هذه الجماعات تحت ضغط مزدوج: تشديد أمني داخلي وبيئة إقليمية تتعامل مع الملف بوصفه تهديدًا حدوديًّا قابلًا للتصعيد.
في 22 شباط/فبراير 2026 أعلنت خمسة أحزاب (PAK، PJAK، KDPI، منظمة خبات، كومله كادحي كردستان)، تشكيل "ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران".
ثانيًا: الخلفية وخارطة القوى الكردية
الجغرافيا والديموغرافيا
يقع المجال الكردي في إيران ضمن شريط جبلي حدودي غرب البلاد وشمال غربها، متصل بإقليم كردستان العراق وتركيا. تتيح هذه الجغرافيا حركة محدودة عبر الحدود وإمكان الاختفاء والضغط الحدودي، لكنها لا تكفي بإحداث تحول داخلي ما لم يمتد الحراك إلى المدن الكبرى ويتخذ طابعًا وطنيًّا أوسع.
تختلف تقديرات حجم السكان الأكراد في إيران بين المصادر، فقد قدم مركز زاغروس لحقوق الإنسان (Zagros)13، بيانًا خطيًّا إلى الأمين العام للأمم المتحدة في 12 أغسطس/آب 2024، أنّ الأكراد يشكلون نحو 16–17في المئة من سكان إيران، أي ما يقارب 14– 15 مليون شخص 14. وتقدم تقديرات أخرى أرقامًا أقل قد تصل إلى نحو 7 ملايين.
يتركز الأكراد أساسًا في محافظات أذربيجان الغربية، وكردستان، وكرمانشاه، وإيلام، ولورستان، وهمدان، مع وجود تجمعات في بعض مناطق خراسان.
رغم أن دستور 1979 ينص على مساواة جميع أفراد الشعب (المادة 20)، ويسمح باستخدام لغات الأقليات في الإعلام والتعليم (المادة 15)، فإن تطبيق هذه الحقوق يبقى محدودًا. كما تُعد الهوية الفارسية الإطار المهيمن في تعريف الدولة والمجال العام15.
خارطة الجماعات الكردية المسلحة
في ظل حظر الأحزاب والتنظيمات الكردية داخل إيران، نقلت مراكز نشاطها إلى الخارج مع الإبقاء على شبكات تنظيمية سرية في الداخل. وأنتج هذا الواقع مشهدًا حزبيًّا متعدد الأطراف يتّسم بتعدد التنظيمات وتفاوت حجمها ومستوى تأثيرها.
تشهد الساحة الكردية في إيران ديناميات مستمرة من التحالفات والانقسامات، إذ تلجأ بعض التنظيمات إلى الائتلاف أو الاندماج في أطر أوسع، بينما تقود الخلافات التنظيمية أو القيادية إلى انشقاقات تظهر أحيانًا في صورة أجنحة متعددة تحمل الاسم ذاته. لذلك لا يعكس تعدد الأسماء بالضرورة وزنًا سياسيًّا أو عسكريًّا متكافئًا.
من أبرز التشكيلات المعروفة في هذا السياق:
- اتحاد ثوار كردستان.
- الجبهة المتحدة الكردية.
- الحركة الجمهورية لشرق كردستان.
- الحزب الديمقراطي لكردستان (حدك).
- الحزب الديمقراطي لكردستان إيران (حدكا).
- المنظمة الديمقراطية لليارسان.
- حركة استقلاليي كردستان.
- حركة هيوا.
- حزب الحياة الحرة لكردستان.
- حزب حرية كردستان.
- حزب كومله كردستان إيران.
- كومله – منظمة كردستان الحزب الشيوعي الإيراني.
- كومله كادحي كردستان.
- منظمة خبات كردستان إيران.
- منظمة ياريكرد.
رغم هذا التعدد، يمكن تحديد أربع قوى رئيسة تُعَدّ الأكثر حضورًا وتأثيرًا من حيث البنية التنظيمية والقدرة التعبوية والامتداد العسكري والسياسي (الجدول 1). وهي كالآتي:
أ- الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني (KDPI)
تأسس عام 1945 في مهاباد، وقاد جمهورية مهاباد الناشئة عام 1946، وقُدِّر عدد مقاتليه بين 1000 و1500 عنصر، يتبعون لمركز قيادة في إقليم كردستان العراق، بينما تتركز قاعدته الاجتماعية في منطقة مكريان، وتشمل مهاباد وبوكان وسردشت وأوشنويه. ويتبنى الحزب برنامجًا يقوم على الديمقراطية الفيدرالية لإيران، ويُعَدّ من أكثر التنظيمات الكردية اعتدالًا في خطابه السياسي 16.
ب- كومله (Komala)
تأسس حزب "كومله" في خريف 1969 بين طلاب ومثقفين أكراد يساريين في طهران وعدد من المدن الكردية. ومنذ تأسيسه شهد سلسلة من الانشقاقات وإعادة التشكل التنظيمي، الأمر الذي أفرز أجنحة متعددة حملت الاسم ذاته أو صِيَغًا قريبة منه. تراوحت العلاقة بين هذه الأجنحة بين التنسيق المرحلي والصدام الحاد، ووصلت في بعض الفترات إلى مواجهات مسلحة.
يُعَدّ اليوم حزب "كومله كردستان إيران" أبرز الفروع المنبثقة عن التيار الأم. وقد تشكل إثر انشقاق قاده عبد الله مهتدي (1949-) عام 2000 عن «كومله – منظمة كردستان التابعة للحزب الشيوعي الإيراني». وكان التنظيم يُعرف قبل عام 1983 باسم «كومله الثورية لكادحي كردستان إيران»، وتبنى توجهًا ماركسيًّا – لينينيًّا مع تأثيرات ماويّة.
تتركز قاعدته الاجتماعية والتنظيمية في محور سنندج – مريوان، بينما يتخذ من إقليم كردستان العراق مقرًّا رئيسًا لنشاطه السياسي والتنظيمي. يقدَّر عدد مقاتليه بحدود 1000 عنصر[AH1]. ومع ذلك يتجاوز تأثيره السياسي حجمه العسكري، خاصة في النشاط النقابي والعمل الاجتماعي 17.
ج- حزب حرية كردستان (PAK)
تأسس عام 1991 باسم «اتحاد ثوار كردستان» على يد سعيد يزدان بناه . وبعد اغتياله في العام نفسه تولى شقيقه حسين يزدان بناه القيادة. وفي مؤتمر أربيل عام 2006 اعتمد الحزب اسمه الحالي، وينشط أساسًا في محافظات؛ كرمانشاه وإيلام ولورستان18.
اكتسب الحزب خبرة قتالية خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) (2014–2017). ويتبنى طرحًا يدعو صراحة إلى إقامة "جمهورية كردستان" مستقلة، الأمر الذي يجعله من أكثر التنظيمات الكردية راديكالية19. يضع هذا الموقف الحزب في مواجهة مباشرة مع طهران، كما يثير تحفظات داخل بعض أطراف المعارضة الإيرانية، إضافة إلى رفض تركي لأي كيان كردي مستقل. كما تُستخدم دعواته للحصول على دعم خارجي مبررًا لتشديد الإجراءات الأمنية ضده.
د- حزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)
تأسس عام 2004 بوصفه فرعًا لحزب العمال الكردستاني. ينشط في جبال قنديل في المثلث الحدودي العراقي–الإيراني–التركي خارج سيطرة عواصم الدول الثلاث، وتشير تقديراته الذاتية إلى أن جناحه المسلح، «وحدات كردستان الشرقية» (YRK)، تضم نحو 3000 مقاتل، بينما تقدم تقديرات أخرى أرقامًا أقل 20.
تصنفه إيران وتركيا وبعض الجهات في الولايات المتحدة الأميركية منظمة إرهابية بسبب ارتباطه بحزب العمال الكردستاني21. ويُعَد من أكثر التنظيمات قدرة عملياتية داخل المناطق الريفية في إيران، ولم يتأثر بحلّ حزب العمال الكردستاني عام 2025، أو باتفاق نزع سلاح الجماعات الكردية العراقي–الإيراني عام 2023.
يتبنى الحزب خطاب "الكونفدرالية الديمقراطية"، ويدعو إلى نموذج حكم ذاتي مشابه للتجربة التي طرحها "حزب الاتحاد الديمقراطي" في سورية. وقد انتقد كلًّا من إيران وإسرائيل خلال التوتر الإقليمي بين حزيران/يونيو وتموز/يوليو 202522.
تشهد الساحة الكردية في إيران ديناميات مستمرة من التحالفات والانقسامات، إذ تلجأ بعض التنظيمات إلى الائتلاف أو الاندماج في أطر أوسع.
| الحزب | التأسيس | الأيديولوجيا | عدد المقاتلين | الهدف السياسي |
|---|---|---|---|---|
| الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني KDPI |
1945 | قومي ديمقراطي | 1500-2000 | فدرالية |
| كومله Komala |
1969 | يساري | 1000 | فدرالية |
| حزب حرية كردستان PAK |
1991 | قومي راديكالي | اقل من 1000 | استقلال |
| حزب الحياة الحرة الكردستاني PJAK |
2004 | كونفدرالية ديمقراطية | 2000-3000 | حكم ذاتي |
[الجدول 1] أبرز الأحزاب الكردية الإيرانية
ثالثًا: السياسة الإيرانية تجاه القضية الكردية
1. البُعد الأمني–الاستخباراتي
بنية الرقابة الداخلية
تخضع المناطق الكردية في إيران لرقابة أمنية مكثفة، إذ يزداد فيها خطر المراقبة والاعتقال مع أي نشاط سياسي أو اجتماعي. وتمتلك السلطات، لا سيما الحرس الثوري، منظومة واسعة للرصد تشمل شبكة مراقبة إلكترونية تتابع وسائل التواصل الاجتماعي والاتصالات. كما تنتشر في المنطقة نحو 1800 نقطة تفتيش، إضافة إلى شبكة من المخبرين المحليين. وعلى الرغم من تدريب أعضاء الأحزاب على إجراءات الحماية، فإن المؤيدون والناشطين يبقون من الأكثر عرضة للملاحقة. وتشير تقارير إلى أن معظم المعتقلين ليسوا أعضاء حزبيين، بل مؤيدون أو ناشطون يُشتبه بارتباطهم بالأحزاب الكردية.
تَتْبع السلطات نهجًا يُعرف باسم الزناد السريع (hair-trigger) في التعامل مع المشتبه بانخراطهم في أنشطة داعمة للحقوق الكردية، إذ تنخفض عتبة الاشتباه، ويكون الرد الأمني سريعًا وقاسيًا 23.
الامتداد الأمني خارج الحدود
تشير تقارير دولية، مثل تقرير دائرة الهجرة الدنماركية (DIS)، إلى حالات تهديد واغتيال ومحاولات استهداف في إقليم كردستان العراق. وتشمل هذه الحالات هجوم كويا [AH2](Koya)، إضافة إلى تهديدات هاتفية واعتبار بعض الأفراد أهدافًا محتملة. وفي بعض الحالات طلبت سلطات الإقليم من أشخاص مغادرة أماكن إقامتهم لأسباب أمنية24.
وفي السياق ذاته، اغتيل ما لا يقل عن تسعة لاجئين أكراد إيرانيين في إقليم كردستان العراق بين عامي 2021 و2024، بينهم ناشطون وصحفيون وأعضاء في أحزاب كردية، ثلاثة منهم بعد كانون الثاني/يناير 2023 25. وفي تموز/يوليو 2024 أرسلت إيران إلى العراق قائمة تضم نحو 120 اسمًا من قيادات وأعضاء الأحزاب الكردية مطالبة بتسليمهم إياها 26.
تتْبع السلطات الإيرانية نهجًا يُعرف باسم الزناد السريع (hair-trigger) في التعامل مع المشتبه بانخراطهم في أنشطة داعمة للحقوق الكردية.
2. البُعد القانوني–القضائي (أداة القمع المؤسسي)
تجريم النشاط السياسي والمدني الكردي
تشير التقارير الدولية إلى أن أي نشاط سياسي أو مدني في المناطق الكردية قد يُفسَّر بوصفه نشاطًا معارضًا. وقد يؤدي ذلك إلى الاستدعاء أو الملاحقة القضائية. كما قد تُفسَّر المشاركة في إضراب أو تجمع تعاونًا مع أحزاب معارِضة. إذ تميل السلطات الإيرانية إلى افتراض ارتباط أي كردي ناشط سياسيًّا بحزبٍ معارض. لذلك يُتَّهَم كثيرٌ من المعتقلين بالانتماء إلى تنظيمات كردية، رغم أن عددًا منهم لا يرتبط فعليًّا بها27.
التهم الفضفاضة
تُستخدم تُهَم مثل «محاربة الله ورسوله» (محارب)، و«الإفساد في الأرض»، و«التمرد المسلح» (بغي) في ملاحقة الناشطين الأكراد. وبين عامي 2010 و2023 تم الإعلان عن إعدام ما لا يقلّ عن 76 كرديًّا، معظمهم من الطائفة السنية، وتمثل هذه الحالات نحو 49 في المئة من مجموع 154 إعدامًا لمعارضين سياسيين تم الإعلان عنهم خلال الفترة نفسها28.
في عام 2024 اعتُقل 630 كرديًّا، ما يُمثّل نحو 51 في المئة من إجمالي المعتقلين السياسيين، وحُكم على 153 منهم بالسجن أو الجلد، وصدر حكمٌ بالإعدام على 11 شخصًا. وفي النصف الأول من عام 2025 اعتُقل 370 كرديًّا، أي نحو 45 في المئة من إجمالي المعتقلين29.
التفاوت الجغرافي في الأحكام
تختلف الأحكام القضائية بحسب المنطقة، فالقضايا التي قد تؤدي إلى عقوبة سجن طويلة في طهران قد تنتهي بأحكام أشد، قد تصل أحيانًا إلى الإعدام، في المناطق الكردية30.
الاعتراف تحت التعذيب
توثق تقارير حقوقية متعددة حالات انتزاع اعترافات تحت التعذيب. إذ يواجه المعتقلون الذين يعترفون بالانتماء إلى أحزاب كردية عقوبات أشد خلال التحقيق أو المحاكمة 31.
3. البُعد السوسيو–اقتصادي (التهميش الممنهج)
البطالة والحرمان
بلغ معدل البطالة في محافظة كردستان 13.7 في المئة خلال شتاء 2024، مقارنة بـ7.8 في المئة كمعدل وطني، بفارق 5.9 نقاط مئوية 32. كما يُلاحظ حرمانهم من مواردهم الطبيعية، ما يُعمِّق الفجوة التنموية بين هذه المناطق وبقية البلاد 33.
الحرمان اللغوي
في عام 2024 اعتُقل ستة معلمي لغة كردية، وحُكم على سبعة آخرين بالسجن[AH3]. وفي شباط/فبراير 2025 رفض البرلمان الإيراني مقترحًا يُجيز تدريس اللغات غير الفارسية في مناطق الناطقين بها 34.
الاستبعاد السياسي
يواجه الأكراد السنة قيودًا في الوصول إلى المناصب العليا في الدولة. تنص المادة (12) من الدستور الإيراني35 على أن المذهب الجعفري الاثني عشري هو المذهب الرسمي للبلاد، ويؤكد أنّها مادة غير قابلة للتغيير، فلا يحق للكردي السنّي أن يصبح قائدًا، أو رئيسًا للقضاء، أو أيّ منصبٍ يُشترط الفقاهة لتصديه. حتى منصب رئيس الجمهورية بموجب المادة (115)36 من الدستور يجب أن يكون مؤمنًا بالمذهب الرسمي.
أما المناصب السياسية العليا الأخرى، فرغم عدم وجود نص قانوني صريح يمنع السنة أو الأكراد توليها، فإن التجربة السياسية تظهر غيابهم عن هذه المواقع. كما يُستخدم "نظام الانتقاء" (گزینش)، وهو فحص أمني إلزامي قبل التوظيف في مؤسسات الدولة، أداةً لتقييد وصول الأكراد إلى الوظائف الحكومية37.
التقدير العام
يتضح مما سبق أن السياسة الإيرانية تجاه القضية الكردية تقوم على ثلاثة أبعاد مترابطة: أمني، وقانوني–قضائي، وسوسيو–اقتصادي. ففي البعد الأمني تخضع المناطق الكردية لرقابة مكثفة تشمل شبكات مراقبة إلكترونية ونقاط تفتيش واسعة، مع اعتماد نهج استجابة سريعة تجاه أي نشاط سياسي، إضافة إلى ملاحقة المعارضين خارج الحدود. وفي البعد القانوني - القضائي تُجرَّم الأنشطة السياسية والمدنية باستخدام تُهَم فضفاضة مثل "المحاربة" و"الإفساد في الأرض"، مع تفاوتٍ في الأحكام واتهامات بانتزاع اعترافات تحت التعذيب. أما في البعد الاجتماعي- الاقتصادي فتواجه المناطق الكردية بطالة مرتفعة وتهميشًا تنمويًّا وقيودًا لغويّة وسياسية. إذًا فمقاربة الدولة في إيران تقوم بالأساس على الضبط الأمني والمؤسسي أكثر من المعالجة السياسية.
السياسة الإيرانية تجاه القضية الكردية تقوم على ثلاثة أبعاد مترابطة: أمني، وقانوني–قضائي، وسوسيو–اقتصادي.
رابعًا: تطورات ما بعد اندلاع حرب الخليج الرابعة
مع بدء الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران في 28 شباط/فبراير الماضي، عاد الملف الكردي إلى الواجهة داخل إيران وخارجها، وتتابعت التطورات بوتيرة متسارعة، ترافق معها تصعيد أمني ملحوظ في المناطق الكردية.
أجرى الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتصالات هاتفية مع الزعيمين الكردييْن في العراق مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني وبافل طالباني رئيس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني38. وبحسب مصدر في حكومة إقليم كردستان، أكد ترامب أن الحياد لم يَعُد خيارًا في الصراع مع إيران، داعيًا الإقليم إلى الاصطفاف مع الولايات المتحدة. تناولت المباحثات التنسيق الأمني وضبط الحدود مع إيران، مع دعوة الاتحاد الوطني الكردستاني إلى تقليص علاقاته مع طهران. كما طُرحت إمكانية دعم الحركات الكردية المعارضة داخل إيران. في المقابل عرضت واشنطن حوافز محتملة، شملت دعمًا اقتصاديًّا واستثمارات في قطاع الطاقة، وتعزيز مكانة الإقليم سياسيًّا، إضافة إلى توفير حماية عسكرية. ومع ذلك اتسم الموقف الكردي بالحذر.
في السياق نفسه أفادت تقارير في الصحافة الأمريكية بأن ترامب أجرى اتصالًا منفصلًا مع مصطفى هجري، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، لمناقشة احتمال إرسال قوات عبر الحدود إلى داخل إيران39. كما تداولت وسائل إعلام أميركية تقارير عن هجومٍ بَرّي نفّذته مجموعات كردية من داخل إقليم كردستان العراق ضد النظام الإيراني40.
وتحدثت تقارير أخرى عن انفتاح الإدارة الأمريكية على دعم جماعات مسلحة داخل إيران، ومنها تنظيمات كردية في إيران، للمساعدة في الضغط على طهران أو إسقاط النظام 41.
في المقابل تسارعت ردود الفعل الإيرانية. فقد نقلت قنوات مرتبطة بالحرس الثوري عن مصادر غير مُسمّاة أنّ وفدًا من منظومة المجتمع الكردستاني KCK 42 المرتبطة بشبكة عبد الله أوجلان عقد لقاءً مع ممثل إيراني. ووفق هذه الرواية جرى بحث نوع من التنسيق لمواجهة حزبيْ كومله والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، انطلاقًا من اعتبار أن سياساتهما قد تعرض مستقبل "كردستان إيران" للخطر43.
تتسم مواقف القوى الكردية بحذر واضح تجاه الانخراط في تحالفات غير متكافئة مع قوىً كبرى، استنادًا إلى تجارب تاريخية سابقة. وفي هذا السياق حذّر الصحافي والناشط الكردي هيوا عثمان44 من الاعتماد على الوعود الأميركية لدعم الأكراد ضد إيران. وأشار إلى أن التجارب السابقة تُظهر أن الحركات الكردية غالبًا ما تدفع كلفة مرتفعة عندما تنخرط في صراعات القوى بين الدول.
ويرى عثمان أن الدعم الأمريكي المحتمل للجماعات الكردية المسلحة داخل إيران قد يكون أداة ضغط تكتيكية على طهران، وليس مشروعًا استراتيجيًّا لتغيير النظام أو ضمان حقوق الأكراد. ويستشهد بتجارب تاريخية، منها تخلي شاه إيران عن الأكراد بعد اتفاقية الجزائر عام 1975 مع الحكومة العراقية، وكذلك أحداث عاميْ 1988 و1991، وأخيرًا تجربة شمال شرق سوريا، إذ تغيّرت التحالفات الدولية مع تبدل المصالح. لذا يخلص إلى أن الأولوية ينبغي أن تكون لحماية الأمن السياسي والمجتمعي للأكراد قبل الانخراط في أي استراتيجية أميركية ضد إيران.
في السياق نفسه أشار السفير الأميركي الأسبق لدى العراق زلماي خليل زاد إلى احتمال أن تلعب القوى المحلية داخل إيران، لا سيما الأكراد، دورًا في أي سيناريو تغيير سياسي. وقارن ذلك بتجربة "تحالف الشمال" في أفغانستان عام 2001، حين دعمت الولايات المتحدة الأميركية القوات المحلية جوًّا بينما عملت وحدات صغيرة من القوات الخاصة على الأرض لتحديد الأهداف.
ورأى خليل زاد أن اللحظة الحالية قد تمثل فرصة للقوى الإيرانية المعارضة، بما فيها القوى الكردية، لدفع مسار التغيير السياسي. لكنه حذر في الوقت نفسه من المخاطر الكبيرة، داعيًا الأطراف المعنية إلى التعامل بحذرٍ وتقييم خياراتها بدقة لأن هذه الفرصة قد لا تتكرر قريبًا45.
بعد انتشار هذه التقارير تصاعدت التوترات الأمنية في إقليم كردستان العراق. فقد أعلنت جماعة تُطلق على نفسها "المقاومة الإسلامية في العراق" تنفيذ 27 هجومًا داخل العراق وخارجه خلال 24 ساعة 46. كما أفادت مصادر إيرانية بتنفيذ عمليات هجومية استباقية بمشاركة وزارة الأمن والحرس الثوري47. وأصدر "شورى الدفاع" الإيراني، المسؤول عن إدارة العمليات العسكرية، تحذيرًا لإقليم كردستان العراق جاء فيه: "حتى الآن تم استهداف القواعد الأمريكية والإسرائيلية والجماعات الانفصالية في إقليم كردستان فقط. لكن في حال دخول هذه الجماعات إلى حدود إيران، فسيتم استهداف جميع منشآت إقليم كردستان"48.
مع بدء الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي على إيران في 28 شباط/فبراير الماضي، عاد الملف الكردي إلى الواجهة داخل إيران وخارجها.

