تمهيد
تحول المشهد الإعلامي السوري الموالي للنظام بعد مرحلة التحرير تحولًا جوهريًّا في وظيفته، من أداة دعائية لخدمة السلطة إلى فاعل في خدمة الصالح العام1، عبر تبني خطاب مهني يواكب التحول السياسي ويُسهم في ترسيخ العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع ضمن فضاء عام أكثر انفتاحًا وتعدديّة2. في هذا السياق، برزت الحاجة إلى إعادة تعريف دور الإعلام، وضبط سياساته التحريرية، ورفع معاييره المهنية بحيث يصبح وسيطًا مسؤولًا بين الوقائع الميدانية والجمهور، لا مجرد قناة لنقل الرسائل السياسية أو إعادة إنتاج الاستقطاب أو الانحياز السردي بعيدًا عن الحقيقة3.
على الرغم من أن معركة الدولة السورية مع "قوات سوريا الديمقراطية (قسد)" كشفت بوضوح حدود هذا التحول، إذ أظهرت التغطيات الميدانية في الإعلام الرسمي وغير الرسمي، وعبر منصات التواصل الاجتماعي – بما في ذلك النقل المباشر لتحركات المسؤولين والمواقع الحساسة – ثغرات خطيرة في إدارة محتوى البث المباشر وأمن المعلومات، ما حوّل بعض المواد الإعلامية إلى أهداف سهلة استغلها الخصم في تنفيذ ضربات دقيقة، من بينها استهداف مبنى محافظة حلب الذي كان يحتضن اجتماعًا رسميًّا رفيع المستوى4. وبناءً على ما سبق برزت الحاجة الملحّة إلى مقاربة جديدة للعلاقة بين المقتضيات المهنية ومتطلبات الأمن الوطني، وهو ما تسعى هذه الورقة إلى معالجته، عبر تقديم توصيات عملية لإصلاح السياسات التحريرية وتنظيم التغطية الميدانية، بما يضمن إعلامًا أكثر مسؤولية وكفاءة في المراحل المقبلة5.
تسعى هذه الورقة إلى تعزيز قدرة المنظومة الإعلامية على تغطية العمليات العسكرية والأمنية، بما يراعي متطلبات أمن العمليات وحماية المواقع الحساسة، دون الإخلال بحق الجمهور في الحصول على المعلومات؛ وذلك عبر بلورة إطار سياساتي واضح للبث المباشر والتغطية الميدانية، يحد من المخاطر الأمنية الناتجة عن محتوى البثّ المباشر غير المنضبط. وتستهدف الورقة تطوير آليات تنسيق مؤسسية منظّمة بين الجهات الأمنية والعسكرية من جهة، والمؤسسات الإعلامية من جهة أخرى، لضبط ما يمكن نشره زمانيًّا ومكانيًّا أثناء العمليات الأمنية/ العسكرية، بالتوازي مع رفع الكفاءة المهنية للكوادر الإعلامية عبر تدريب متخصص بالتغطية في مناطق النزاع من أجل تقليل الأخطاء التحريرية والأمنية6.
الإشكالية: فجوة بين مقتضيات الأمن وأنماط التغطية
يُعدّ غياب الإطار الناظم لسياسات البث المباشر في سياق العمليات العسكرية والأمنية خللًا مؤسسيًّا خطيرًا وفق المعايير المهنية الدولية7, لما يترتب عليه من أخطارٍ على أمن العمليات وحماية الأهداف عالية الحساسية، وتظهر المشكلة بصورة أوضح حين يتراجع التنسيق المؤسسي بين الجهات العسكرية والأمنية من جهة ووسائل الإعلام من جهة أخرى، سواء على مستوى تحديد طبيعة المعلومات القابلة للنشر أو ضبط تفاصيل الزمان والمكان للحدث المراد تغطيته، ويؤدي ذلك إلى فجوة بين متطلبات الأمن الوطني وأنماط التغطية المعتمدة في الوسائل المختلفة، بما فيها المنصات الرقمية، على خلاف ما تؤكده أُطر "أمن العمليات" التي تربط ضبط التوقيت والمكان وحجم التفاصيل بحماية القوات وسلامة العمليات8.
ظواهر مرافقة: المحتوى الصادر عن العسكريين والأمنيين خارج الإطار المؤسسي
تبرز إشكالية إضافية تتصل باستخدام الهواتف الشخصية من بعض عناصر الجيش والأجهزة الأمنية في تصوير مقاطع مرتبطة بأعمال عسكرية مباشرة أو بواقع الانتشار الميداني ونشرها9 خارج أي إطار مؤسسي ناظم على نحوٍ يتعارض مع توجهات تنظيمية حديثة صدرت لضبط حضور العسكريين في الفضاء الرقمي واستخدام المنصات الرقمية للعسكريين، بما لا يمس أمن العمليات أو صورة المؤسسة10.
ولا يقتصر أثر هذه الممارسات على ما تتيحه من معطيات زمانية ومكانية قابلة للاستثمار استخباراتيًّا، بل يمتد إلى طبيعة المحتوى نفسه، إذ تتضمن بعض التسجيلات رسائل تهديد أو إهانات أو سلوكيات انتقامية11، الأمر الذي ينعكس سلبًا على صورة المؤسسات المعنية ويولّد إشكالات أخلاقية وقانونية في سياق يفترض أن يدعم معايير المساءلة والعدالة الانتقالية. من هنا، يمكن اعتبار هذه الظاهرة واحدة من آثار غياب سياسة متكاملة تضبط إنتاج المحتوى المرئي من قبل الفاعلين العسكريين والأمنيين وتداوله، وتحدِّد مسؤولياتهم وقيود مشاركتهم في الفضاء الرقمي، وتُنظِّم التغطيات الإعلامية الرسمية12.
المبادئ الحاكمة: تنظيم لا مصادرة
يقوم التصور المقترح على أربعة مبادئ رئيسة؛ أولًا: مبدأ التوازن بين حرية الإعلام ومتطلبات الأمن الوطني بتنظيم التغطية في أوقات النزاع لا مصادرتها13، وثانيًا: مبدأ المسؤولية المهنية الذي يربط حق النشر بواجب تقدير أثر المعلومة على سلامة الأفراد والمرافق العسكرية والمدنية14، وثالثًا: مبدأ "الشفافية النسبية" الذي يُتيح للجمهور المعلومات الأساسية مع حجب التفاصيل التي تُعرّف الأهداف أو التحرّكات الحساسة ميدانيًّا15، ورابعًا: مبدأ التنسيق المؤسسي، بوصفه شراكة منظّمة بين المؤسسات الإعلامية من جهة، والأمنية والعسكرية من جهة أخرى، عند وضع قواعد التغطية16، ويُشدّد هذا الأخير على احترام المعايير الدولية لسلامة الصحفيين وتغطية النزاعات، بما يمنع تحويل ضوابط الأمن إلى ذريعة لتقييد العمل المهني المشروع17.
تنظيم العلاقة بين الإعلام والمنظومة الأمنية لم يَعُد ترفًا تنظيميًّا، بل شرطًا بنيويًّا لنجاح مرحلة ما بعد التحرير.
توصيات عملية بصياغةٍ مرنةٍ للسياسات
يقتضي ضبط المخاطر الناجمة عن البث المباشر اعتماد بروتوكول أمني إعلامي موحّد عبر إعداد "دليل تغطية ميدانية" ملزم لوسائل الإعلام الرسمية، يتضمن قواعد متعلقة بوقت النشر وزوايا التصوير وحدود إظهار الخرائط والخلفيات، مع حظر النقل المباشر من المواقع الحساسة، مثل: مقار القيادة، والاجتماعات الرفيعة، وتحركات الوحدات، والاكتفاء ببثٍّ مؤجّل بعد مراجعة أمنية للمحتوى. وتؤدي هذه الخطوة وظيفة "الفلترة الوقائية" التي تعالج الثغرة قبل تحولها إلى ضرر عملياتي18.
ويُستحسن، بالتوازي، إنشاء غرفة تنسيق إعلامي–أمني عبر خلية مشتركة بين وزارة الإعلام ووزارة الدفاع والجهات الأمنية تتولى مراجعة المواد الحساسة قبل بثها وتنسيق نقاط التغطية ومسارات المراسلين، مع تعيين ضابط ارتباط إعلامي ضمن غرف العمليات الميدانية لتقديم إرشادات فورية حول ما يمكن بثه وما ينبغي تأجيله في اللحظة نفسها19. وتستند هذه المقاربة إلى نماذج "عمليات الإعلام" في العقائد المقارنة التي تفصل بين حق الجمهور في معرفة الإطار العام وبين حجب التفاصيل التي قد تتحول إلى مؤشرات ميدانية20.
ويتطلب نجاح التنظيم تدريب الكوادر الإعلامية على مفاهيم أمن المعلومات وأمن العمليات (OPSEC) وكيفية تجنب بث مؤشرات مكانية أو زمنية أو بصرية تساعد الخصم21، مع دمج دروس تطبيقية تحاكي سيناريوهات واقعية مثل نقل مؤتمر أو تغطية قصف أو مواكبة تحركات قوات، وتدريب الفرق على تصحيح الأخطاء أثناء التغطية لا بعد وقوع الضرر22.
وتتصل بالحقل نفسه ضرورة ضبط استخدام الصور والخرائط عبر منع إظهار لقطات قريبة أو عالية الدقة للمداخل ونقاط الحراسة والكاميرات والمنظومات الدفاعية أو أي معالم تمكّن من تحديد الموقع بدقة، إضافة إلى مراجعة الخرائط والغرافيك المستخدمة في النشرات لتجنب تقديم خطوط انتشار أو مواقع قيادة أو ممرات إمداد. ويتوافق هذا مع روح "أمن العمليات" الذي يعامل التفاصيل الصغيرة بوصفها جزءًا من صورة أكبر قابلة للتجميع والتحليل23.
ويُعد اعتماد بدائل مهنية للبث المباشر جزءًا من التحول المقترح، عبر تفضيل تقارير مسجلة من الميدان تُراجَع قبل العرض بدلًا من البثّ المفتوح (live) من مناطق الاشتباك أو من المواقع الرسمية الحساسة، مع التركيز على البعد الإنساني والمعلومات العامة من مواقف رسمية وتقييم سياسي وشهادات مدنيين وتجنب التفاصيل التكتيكية. وتنسجم هذه المقاربة مع أدبيات سلامة الصحفيين واعتبارات تقليل الأذى في بيئات عالية المخاطر24.
وعند وقوع خرق يؤدي إلى استهداف ناجح، يُستحسن إطلاق مراجعة داخلية شفافة تُستخدم لتصحيح السياسات بدل الاكتفاء بالإنكار أو التبرير، مع إصدار رواية إعلامية منضبطة تشرح للرأي العام الإجراءات التصحيحية بما يعزز الثقة دون كشف تفاصيل أمنية إضافية، ويحد هذا المسار من تكرار الأخطاء ويُعيد تعريف "الشفافية" بوصفها إعلانًا عن إجراءات الحماية لا عن التفاصيل الحساسة25.
وأخيرًا، يظل إشراك خبراء مستقلين وعسكريين متقاعدين وخبراء أمن معلومات وخبراء إعلام حرب مفيدًا لصياغة معايير محدثة للتغطية وإنشاء لجنة استشارية دائمة تقيّم الأداء وتقترح تعديلات مستمرة على البروتوكولات، بما يضمن أن تبقى الضوابط قابلة للتحديث وفق طبيعة التهديدات وتطور أدوات الرصد والاستهداف26.
خاتمة
يظهر أن تنظيم العلاقة بين الإعلام والمنظومة الأمنية لم يَعُد ترفًا تنظيميًّا، بل شرطًا بنيويًّا لنجاح مرحلة ما بعد التحرير بما تحمله من استحقاقات إعادة بناء الدولة وترميم عقدها الاجتماعي، ويؤدي تبني بروتوكول أمني إعلامي واضح وتعزيز التنسيق بين الفاعلين العسكريين والمؤسسات الإعلامية ورفع كفاءة الكوادر المهنية في التعامل مع المحتوى الحي إلى خفض المخاطر العملياتية دون العودة إلى منطق التعتيم أو التوظيف الدعائي. وبذلك تغدو سياسات التغطية الميدانية جزءًا من هندسة أوسع للأمن الوطني والديمقراطية الناشئة، إذ يُنظر إلى الإعلام بوصفه شريكًا مسؤولًا في حماية المجتمع، لا مجرد مرآة للأحداث أو أداة للصراع الرمزي.

