مقدمة
أفادت وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا" في 27 كانون الثاني/ يناير 2026 بأنّ طائرة الاحتلال الإسرائيلي رشّت موادًا غير معروفة فوق أراضٍ زراعية تقع غرب بلدة أبو مزرعة وقرية الحنوط في ريف محافظة القنيطرة الجنوبيّ. وجاءت الحادثة بعد أيامٍ من واقعة مشابهة طالت أراضي ومراعٍ في قرى العشة وخدنة والأصبع وبلدة الرفيد في المحافظة نفسها1.
في ضوء ذلك، أعلنت مديريّتا الزراعة والبيئة في القنيطرة أنهما أخذتا عيناتٍ من التربة لإجراء تحاليلَ مخبرية، كما حذّرتا المزارعين ومربّي المواشي من الاقتراب من المناطق المتضررة إلى حين صدور نتائج الفحوصات. وحتى الآن لم تصدر نتائج رسمية تحدد طبيعة المادة المرشوشة أو مستوى سُمّيَّتها أو نطاق تأثيرها الزراعي والبيئي.
وبعد فترة زمنية وجيزة أعلنتا وزارتا الزراعة والبيئة في لبنان في بيانٍ مشتركٍ بتاريخ 4 شباط/ فبراير 2026 أنّ طائرات الاحتلال الإسرائيلي قامت برشّ مواد كيميائية فوق عدد من المناطق الجنوبية اللبنانية المحاذية للحدود السورية. وأشار البيان إلى أن الجهات المختصة باشرت بأخذ عيّنات من التربة والنباتات لتحليلها مخبريًّا بهدف تحديد طبيعة المواد المستخدمة وتقييم آثارها المحتملة على البيئة والزراعة في تلك المناطق، وأشارت نتائج العيّنات إلى أنّها تحتوي على نسب من مادة غليفوسات (Glyphosate) يراوح تركيزها بين 20 ضعفًا و30 مقارنةً بالنسب المعتادة2.
وكانت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان - اليونيفيل (UNIFIL) المكلفة بحفظ السلام في جنوب لبنان قد أعلنت، يوم الاثنين الموافق لِ 2 شباط/ فبراير 2026، أنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي أبلغها باليوم السابق أنّه سينفذ نشاطًا جويًّا لإسقاط مادة كيميائية غير سامة، وفقًا لمزاعمه، فوق مناطق في جنوب لبنان قريبة من الخط الأزرق، طالبًا من قوات حفظ السلام البقاء بعيدًا وتحت أمكنة مسقوفة، الأمر الذي أجبرها على إلغاء أكثر من عشرة أنشطة3.
في حالة مماثلة، كشفت قناة i24News الإسرائيلية، أنّ قيادة المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال الإسرائيلي بدأت منذ عدة أسابيع تشغيل طائرات رش مدنيّة في إطار مشروع تجريبي يهدف إلى إزالة الغطاء النباتي في المناطق القريبة من السياج الحدودي مع سورية ولبنان4.
خلال هذه العملية، أفادت القناة أن الطائرات نفّذت عدة طلعات جوية في محافظة القنيطرة الحدودية، وكذلك على طول الحدود مع لبنان. تضمنت هذه الطلعات رش مواد كيميائية مخصصة لمكافحة الأعشاب. تشير الرواية الإسرائيلية هنا إلى أن هذه الخطوة كانت تهدف إلى إزالة الغطاء النباتي الذي قد تستغله مجموعات مسلحة كوسيلة تمويه للتقدم نحو السياج الحدودي. كما ادّعت القناة أنّ المواد المستخدمة غير سامة، ومخصصة للقضاء على الأعشاب، وتساعد على الحدِّ من إمكانية اقتراب عناصر مسلحة من الحدود. في المقابل يرفض جيش الاحتلال الإسرائيلي التعليق على تفاصيل العملية أو الكشف عن طبيعة المواد التي استُخدمت فيها.
نماذج سابقة للرش في السياق الاستعماري
ظهر استخدام الرش الجوي لمبيدات الأعشاب في المناطق الحدودية في حالات سابقة ارتبطت بإدارة المجال الحدودي لأغراض أمنية وعسكرية. وتُظهر تجارب سابقة أن هذه الأداة استُخدمت لإزالة الغطاء النباتي الكثيف القريب من مناطق الحدودية؛ بهدف تحسين القدرة على المراقبة أو تقليص إمكان حركة الجماعات المسلحة غير المرصودة. ولتوضيح هذا النمط يمكن التوقف عند حالتيْن بارزتيْن، الأولى تتعلق بممارسات جيش الاحتلال الإسرائيلي على طول السياج الفاصل مع قطاع غزة في عام 2014، والثانية تعود إلى استخدام الجيش الأميركي الرشّ الجوي لمبيدات الأعشاب خلال حرب فيتنام.
أولًا: عمليات الرشّ في قطاع غزة
بدأ الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 2014 تنفيذ عمليات رش جوي لمبيدات الأعشاب على امتداد السياج الفاصل مع قطاع غزة، في إطار سياسة تتعلق بإدارة المنطقة الحدودية من منظور أمنيّ. حيث تعاملت جهات الاحتلال مع هذه العمليات باعتبارها إجراءً دوريًّا ضمن إدارة الحدود، واستمرت هذه الممارسة لسنوات عدة.
جرت عادة جيش الاحتلال على تنفيذ الرشّ مرّتين سنويًّا، الأولى: في نهاية كانون الأول/ ديسمبر أو في بداية كانون الثاني/ يناير، أما الثانية فتكون في شهر نيسان/ أبريل، ويتزامن هذا التوقيت مع فترات مهمة من الدورة الزراعية في القطاع، الأمر الذي جعل آثار الرش تمتد من الأعشاب البرية إلى المحاصيل الزراعية المزروعة5.
اتّخذ تنفيذ هذه العمليات طابعًا تقنيًّا واضحًا، إذ كانت الطائرات تحلق على ارتفاع منخفض بمحاذاة السياج الحدودي، وأحيانًا فوق أراضٍ داخل القطاع، وهذا ما أفاد به مزارعون في المنطقة أن أشخاصًا من جهة الاحتلال الإسرائيلي كانوا يُشعلون إطارات قرب السياج قبل بدء عملية الرش. ويبدو أن هذا الإجراء استُخدم لمراقبة اتجاه الرياح، لتبدأ بعد ذلك بدقائق الطائرات بالتحليق ورش المبيدات، فتدفع الرياح المواد الكيميائية نحو داخل الأراضي الزراعية في القطاع. وفي عدد من الحالات وصلت المواد المنجرفة إلى مسافات بعيدة داخل غزة، وهو ما يشير إلى أن نطاق التأثير لم يقتصر على المنطقة الملاصقة للسياج الحدودي. مما أدى إلى انتشار آثار الرش في مساحات زراعية أوسع داخل القطاع6.
منذ عام 2014 نفذ الاحتلال الإسرائيلي عشرات الطلعات الجوية لرش مبيدات بمحاذاة قطاع غزة، وأقرت لاحقًا بتنفيذ نحو ثلاثين عملية رش خلال خمس سنوات. كما أكد الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي في 6 كانون الأول/ ديسمبر 2015 وجود هذه الممارسة ردًّا على استفسار مجلة "972+" وبررها بالحاجة إلى تمكين مواصلة تنفيذ مهمات الأمن الجاري7.
بيْد أن "وزارة الدفاع الإسرائيلية" نفت هذه الممارسة في ردّها على إلتماس قدمته منظمة "مسلك" استنادًا إلى قانون حرية المعلومات، وذكرت أيضًا أنّ الرش الجوي يُنفذ حصريًّا فوق أراضي "دولة إسرائيل" بمحاذاة الحدود مع قطاع غزة. لاحقًا، وفي ردٍّ آخر في عام 2016، وضمن إجراء حرية المعلومات، أقرّت وزارة الدفاع استخدامها ثلاثة أنواع من المبيدات خلال عمليات الرش، وهي: غليفوسات وأوكسي فلورفين وديورون. ويُعدّ المبيد من نوع "أوكسي فلورفين"، المعروف تجاريًّا باسم "أوكسيغال"، من المواد المستخدمة في مكافحة أنواع معينة من الأعشاب، وتنتجه شركة Tapazol الإسرائيلية8. أما المبيد من نوع "غليفوسات" والمعروف تجاريًا باسم "راوند-أب"، فهو عبارة عن مادة أعلنت منظمة الصحة العالمية أنها مُسرطِنة محتملة، وتحظُر دول عديدة استخدامها. كما أشارت تقارير محلية إلى استخدام مادة "أوكسي فلورفين" وهي مادة تؤثر مباشرة في إنبات البذور والنباتات الفتية9.
نشر فريق فورنزك أركيتكتشر في تموز/ يوليو 2019 دراسة اعتمدت على تحقيق ميداني وتحليل قانوني شاركت فيه منظمات "مسلك" و"عدالة" و"الميزان"، إذ قدمت تقييمًا علميًّا لآثار عمليات الرش الجوي قرب حدود قطاع غزة. وأظهرت نتائج التقرير أضرارًا ميدانية موثقة، إذ تبيّن أن عمليات الرش تسببت بإلحاق الضرر بآلاف الدونمات من الأراضي الزراعية داخل القطاع. كما أظهرت المعطيات أن الأراضي الواقعة على مسافة تتجاوز 300 متر من الحدود تعرضت أيضًا للتضرر وهو ما يشير إلى أن تأثير الرش الجوي لا يبقى محصورًا في المنطقة المستهدفة؛ لأن انتقال المواد الكيميائية يرتبط بدرجة كبيرة باتجاه الرياح وسرعتها الأمر الذي يجعل نطاق الضرر واسعًا ويصعب ضبطه بدقة10.
تشير المتابعة التي أجراها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية/ الأراضي الفلسطينية المحتلة - أوتشا (OCHA) إلى أن عمليات الرش منذ عام 2014 ألحقت أضرارًا بنحو 7,620 دونمًا، كما أثرت في حياة السكان وفي الأمن الغذائي والصحة ومصادر الدخل. وفي إحدى موجات الرش عام 2017 تضرر أكثر من ألفيْ دونم تعود لمئات المزارعين، وقُدّرت الخسائر المالية بملايين الشواكل، وكانت محاصيل القمح الأكثر تضررًا، إضافة إلى الخضروات الورقية والبقوليات والمحاصيل الموسمية11.
كذلك، عرض مكتب "اوتشا" شهاداتٍ فردية وصورًا دقيقة عن طبيعة الضرر، من بينها أن أحد المزارعين استأجر أرضًا وزرعها بالسبانخ، وكان على وشك الحصاد، وحين رُشّت الأرض قبل أيام قليلة من جمع المحصول، تَلِف، وخَسِر المزارع رأس المال الذي استثمره في الزراعة إضافة إلى خسارته سُلفَة مالية حصل عليها من تاجر جملة. تكررت حالات مشابهة في شرق القطاع مثل مناطق؛ البريج، غزة، وبيت حانون، ودير البلح، وخان يونس.
توقّفت عمليّات الرشّ بشكل مؤقت، إذ امتنعت حكومة الاحتلال عن تنفيذ عمليات رش في عام 2019، وخلال ذلك العام لاحظ المزارعون تحسنًا في المحاصيل القريبة من السياج، وتحدثوا عن موسم أفضل مقارنة بالسنوات السابقة، غير أن عمليات الرش استؤنفت في كانون الثاني/ يناير 202012.
ثانيًا: عملية رانش هاند الأمريكية
سعت الولايات المتحدة الأميركية خلال حربها على فيتنام إلى إزالة الغطاء النباتي الكثيف الذي وفّر لقوات "الفيتكونغ" قدرة على التخفي والحركة، فاستخدمت الطائرات مبيدات أعشاب لرش مساحات واسعة بهدف كشف المناطق المغطاة بالأشجار وتحسين قدرة الرصد الجوي والبري، إضافة إلى إتلافها المحاصيل التي اعتمدت عليها "الفيتكونغ". إذ نفّذ الجيش الأميركي بين عامي 1962 و1971 برنامجًا ممنهجًا لرشّ مبيدات الأعشاب في فيتنام عُرف باسم "عملية رانش هاند" (Operation Ranch Hand)، حيث رشّ سلاح الجوّ الأميركي نحو 19 مليون غالون من هذه المواد، شكّل "العامل البرتقالي" منها ما يزيد على 11 مليون غالون، أي قرابة 61 في المئة من إجمالي الكمية13، وبلغت ذروة تنفيذ البرنامج بين عامي 1966 و1969، وشمل رشّ حواليْ 3.6 مليون فدان من الأراضي.
اعتمدت هذه العملية أساسًا على مادة عُرفت باسم "العامل البرتقالي" وهي خليط من مركبيّ 2,4-D و2,4,5-T، إذ أدّى رشّ هذه المادة إلى تساقط أوراق الأشجار خلال ثلاثة إلى ستة أسابيع، واستمر تأثيرها عدة أشهر وقد أثبتت قدرة كبيرة على تدمير الغابات المدارية الكثيفة، لا سيما غابات المانغروف، كما ألحقت أضرارًا واسعة بالمحاصيل الزراعية.
لاحقًا، أظهرت الدراسات أنّ هذا المُركّب لم يكن مادة كيميائية عادية، إذ احتوى على شوائب من مادة "الديوكسين" السامة 2,3,7,8-TCDD، وهي ناتج ثانوي في عملية تصنيع مركب 2,4,5-T، كما كشفت تحاليل العينات المخزنة أنّ مستوى هذا الملوث تراوح بين أقل من 0.05 جزء في المليون ونحو 50 جزءًا في المليون، على إثرها حددت المعايير المدنية الأميركية لاحقًا حدًّا أقصى لا يتجاوز 0.05 جزء في المليون، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من الكميات التي استُخدمت في فيتنام احتوى على مستويات أعلى بكثير من الحد الآمن، كما أثار هذا الاكتشاف نقاشًا واسعًا في الأوساط العلمية والطبية حول المخاطر التي يمكن أن تترتب على التعرض لهذه المادة14.
أدى تراكم الأدلة العلمية إلى تصاعد الضغط على الحكومة الأميركية لتقييد استخدام هذه المواد، فأعلنت وزارة الدفاع الأميركية في تشرين الأول/ أكتوبر 1969 تقييد استخدام "العامل البرتقالي"، ثم أوقفت استخدام مركب 2,4,5-T في نيسان/ أبريل 1970، وعلى إثرها أُنهيَ العمل بالبرنامج في عام 1977، وتخلصت الولايات المتحدة الأميركية من نحو 2.22 مليون غالون من المخزون المتبقي، عبر حرقه في عرض البحر، بينما تبنى المجتمع الدولي لاحقًا اتفاقية لتقييد استخدام تقنيات مشابهة دخلت حيز التنفيذ في عام 1978.
الإشكالية القانونية
الإشكالية القانونية التي يثيرها تشغيل طائرات رشّ مدنية لمكافحة الأعشاب قرب السياج الحدودي مع سورية ولبنان تتصل بتقاطع ثلاثة مجالات في القانون الدولي: سيادة الدولة على إقليمها، ومبدأ عدم إحداث ضرر عابر للحدود، وقواعد حماية البيئة في سياق النزاعات المسلحة.
أولاً، يقرّ القانون الدولي بحق الدولة في إدارة أراضيها واتخاذ الإجراءات البيئية أو الزراعية داخل حدودها. ويستند هذا الحق إلى مبدأ السيادة الإقليمية المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة في المادة 2 الفقرة 1 التي تُقرّر مبدأ المساواة في السيادة بين الدول15، كما يؤكد أن إدارة الموارد الطبيعية والأنشطة البيئية داخل الإقليم تدخل ضمن الاختصاص الداخلي للدولة. بناءً على ذلك يمكن من حيث الأصل اعتبار إزالة الغطاء النباتي أو رش مبيدات الأعشاب داخل الأراضي الخاضعة للسيادة إجراءً مشروعًا إذا اقتصر أثره داخل الإقليم.
غير أن هذا الحق ليس مطلقًا. إذ يقيّده مبدأ راسخ في القانون الدولي يقضي بعدم جواز استخدام الدولة لإقليمها بطريقة تسبب ضررًا لدولٍ أخرى. وقد كرّست محكمة التحكيم الدولية هذا المبدأ في قضية مصنع الصهر في ترايل (Trail Smelter Arbitration, 1938 - 1941)، إذ قررت أنه لا يجوز لدولة أن تستخدم إقليمها بطريقة تُلحق ضررًا خطيرًا بإقليم دولة أخرى. كما أعاد إعلان ستوكهولم بشأن البيئة البشرية لعام 1972 تأكيد هذا المبدأ في المبدأ 21، الذي يَنصّ على أنّ للدول الحق السيادي في استغلال مواردها وفق سياساتها البيئية، مع التزامها بضمان ألا تسبب الأنشطة الواقعة ضمن ولايتها أو سيطرتها ضررًا لبيئة دول أخرى أو لمناطق خارج حدود الولاية الوطنية16. وبناء عليه، أدت عمليات الرش الكيميائي إلى انتقال المواد إلى الأراضي السورية أو اللبنانية وأحدثت آثارًا بيئية أو صحية فقد يندرج ذلك ضمن مفهوم الضرر البيئي العابر للحدود الذي يترتب عليه مسؤولية دولية.
ثانيًا، إذا وقع هذا النشاط في سياق توتر مسلح أو حالة نزاع، فقد تُثار أيضًا مسألة امتثاله لقواعد القانون الدولي الإنساني المتعلقة بحماية البيئة. فالبروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 يفرض قيودًا على الوسائل القتالية التي قد تسبب أضرارًا بيئية جسيمة. وتنص المادة 35 من الفقرة 3 على حظر استخدام وسائل أو أساليب قتال يُقصد بها إحداث أضرار واسعة النطاق وطويلة الأمد وشديدة بالبيئة الطبيعية. كما تنص المادة 55 من البروتوكول نفسه على وجوب حماية البيئة الطبيعية من الأضرار الواسعة والطويلة الأمد والشديدة أثناء النزاعات المسلحة17.
إضافة إلى ذلك، يمكن أن تبرز مسألة أخرى إذا كانت المواد المستخدمة ذات طبيعة سامة أو تُستخدم بقصد الإضرار بالبشر أو البيئة. ففي هذه الحالة قد تُثار علاقة الفعل باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لعام 1993، إذ تحظر المادة الأولى منها استخدام المواد الكيميائية كسلاح أو توظيفها في أعمال عدائية18. ومع ذلك، لا تنطبق هذه القاعدة عادة على استخدام المبيدات الزراعية أو المواد المستخدمة لأغراض مدنية مشروعة ما لم تُستخدم كوسيلة حرب.
تحليل الأنماط
تكشف المقارنة بين حادثتي القنيطرة وجنوب لبنان وسوابق الاحتلال الإسرائيلي على حدود قطاع غزة، إضافة إلى التجربة التاريخية في حرب فيتنام، عن نمط متكرر في استخدام الرش الجوي لمبيدات الأعشاب داخل الحيز الحدودي ومناطق النزاع. في هذه الحالات جرى توظيف هذه الوسيلة للتأثير في الغطاء النباتي القريب من خطوط التّماس والحدود؛ بهدف إزالة الكثافة النباتية التي قد توفر أماكن للاختباء أو تجعل الحركة غير مرصودة.
تسعى هذه العمليات إلى توسيع المجال المكشوف أمام المراقبة العسكرية، سواء عبر الرصد الجوي أو المراقبة البرية. يؤدي تقليص الغطاء النباتي إلى تقليل قدرة الجماعات المسلحة على استخدام الأشجار والأعشاب الكثيفة كغطاء للحركة أو التموضع بالقرب من الحدود. بهذا المعنى تتحول المنطقة الحدودية إلى فضاء أكثر انكشافًا من الناحية البصرية والعملياتية، الأمر الذي يسمح بإنشاء نطاقات مفتوحة تَسهُل مراقبتها والسيطرة عليها عسكريًّا.
في حالة غزة بررت حكومة الاحتلال عملياتها بالرشّ منذ عام 2014 بالحاجة إلى تسهيل مهمات الأمن الجاري على طول السياج الحدودي، عبر إزالة الأعشاب والنباتات التي قد تعيق الرؤية أو تسمح بالاقتراب غير المرصود من الحدود. أما في النموذج الأميركي خلال حربه على فيتنام فقد استُخدمت مبيدات الأعشاب لإزالة الغابات الكثيفة وتدمير المحاصيل الزراعية التي وفرت الغطاء والإمداد الغذائي لقوات "الفيتكونغ". ورغم اختلاف السياقين الجغرافي والسياسي، فإن الهدف العملياتي في الحالتين ارتبط بإعادة تشكيل البيئة الطبيعية في مناطق الاحتراب بما يخدم الاعتبارات العسكرية.
تظهر حادثتيْ القنيطرة وجنوب لبنان ضمن إطار مشابه من حيث الوسيلة التقنية المستخدمة، أي توظيف الرش الجوي للتأثير في الغطاء النباتي في مناطق قريبة من خطوط التّماس. مع الإشارة إلى واقع الاحتلال الذي تمارسه إسرائيل في الأراضي السورية واللبنانية والفلسطينية، غير أن المعطيات المتاحة حتى الآن لا تتيح نطاق تأثيرها الفعلي، الأمر الذي يجعل تحليل الحدث مرتبطًا بمقارنة أنماط السلوك السابقة وليس بنتائج ميدانية مؤكدة.
السيناريوهات المحتملة
في ضوء هذه الأنماط يمكن طرح عدة سيناريوهات لتفسير حادثة الرشّ الجوي في القنيطرة والمناطق الحدودية السورية المجاورة.
السيناريو الأول: يتمثل في دافع أمني تكتيكي يقوم على إزالة الغطاء النباتي الكثيف القريب من الحدود، بهدف تحسين الرؤية وتعزيز القدرة على المراقبة. يتوافق هذا التفسير مع الرواية التي نقلتها وسائل إعلام إسرائيلية حول استخدام الطائرات لرشّ مبيدات الأعشاب من أجل منع استخدام النباتات كغطاء للتقدم نحو السياج الحدودي.
السيناريو الثاني: يرتبط بإدارة المجال الحدودي، إذ يُستخدم الرشّ الجوي كوسيلة لإعادة تشكيل البيئة الزراعية في المناطق القريبة من خطوط التماس. يؤدي هذا النوع من الإجراءات إلى تقليص النشاط الزراعي الكثيف قرب الحدود ما يخلق نطاقًا مكشوفًا يَسهُل مراقبته والتحكم فيه.
أما السيناريو الثالث: فيتعلق بالسياق الأمني الأوسع على الجبهة الشمالية. فقد يكون تشغيل طائرات الرش جزءًا من إجراءات استباقية تتخذها المؤسسة الأمنية لدى حكومة الاحتلال في ظل تقديرات تتحدث عن احتمال تصعيد عسكري في المنطقة، خاصة مع المخاوف من اتساع المواجهة لتشمل لبنان.

