المقدمة
عند خسارته السيطرة الميدانية وانهيار نفوذه الجغرافي، لم يفقد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" قبضته الإعلامية، بل أعاد تكييفها لتناسب واقعه الجديد. فبدلاً من الاعتماد على الإنتاج المركزي الضخم الذي ميّز فترة "الدولة"، طوّر التنظيم استراتيجيته الإعلامية نحو نموذج أكثر مرونة ولا مركزية، معززًا حضوره على منصات التواصل الاجتماعي التي كانت دائمًا ساحة رئيسية لعملياته، واليوم تشهد شبكات منسقة تابعة للتنظيم، تستخدم مزيجًا من الأساليب القديمة والمبتكرة لتجاوز أنظمة الرقابة المعقدة التي تفرضها منصات التواصل الاجتماعي. يتتبع التحقيق كيف تكيّفت مع متغيرات ما بعد انتصار الثورة السورية ووصول فصائلها العسكرية إلى السلطة، ويحلل الأدوات والتكتيكات التي تسمح لها بالبقاء والتوسع، ونشر رسائلها لخدمة أهدافها الدعائية والتنظيمية. ويجيب هذا التحقيق عن الأسئلة التالية:
- ما هي طبيعة حسابات "داعش" ومحتواها؟
- تصنيف نشأة الحسابات وفق سيناريوهات
- عودة الحسابات للظهور بشكل مكثف وآلية استمرارها
[الجدول 1] معلومات بانورامية عن الحسابات المرصودة
| اسم الحساب | تاريخ إنشاء الحساب | نمط النشر السلوكي والمحتوى | عدد الأصدقاء والمتابعين |
|---|---|---|---|
| [أبو بكر]1 | 5/7/2023 | محتوى الحساب يظهر فيه إعلام "داعش" وأبو بكر البغدادي ومنشورات عن مفهوم الخلافة. يمثل الحساب الصريح الذي تم استبداله بالنماذج الهجينة. | المتابِعون: 2.5 ألف المتابَعون: 48 |
| [حجي أبو ليلة الفرات]2 | 13/1/2026 | نَشَط منذ 15 كانون الثاني/ يناير. يُمجد المتحدث الرسمي السابق (أبو محمد العدواني)، ويستخدم رموزًا مثل "المنجنيك" وصورًا تجمع بين المعدات العسكرية والميكروفون، مما يشير إلى دمج الجانب القتالي والإعلامي. | المتابِعون: 2.5 ألف المتابَعون: 4 |
| [حجي مستطاب]3 | 14/7/2021 | ينشر منشورات داعمة لـ "داعش"، لكنه يستخدم التخفي بوضع صور طبيعية للحساب والغلاف. مرتبط بشبكة "حجي أبو ليلة الفرات". | المتابِعون: 2 ألف المتابَعون: 29 |
| [حجي سعود العامري]4 | 9/7/2010 | حساب نائم ذو قدرة على التخفي. محتواه العام لا يُظهر دعمًا صريحًا لـ "داعش"، لكنه يمثل جزءًا من الشبكة. | المتابِعون: 3.6 ألف المتابَعون: 1 |
| [أبو عبيدة الشامي]5 | 2/1/2026 | دعم صريح لـ "داعش" في منشورات أخرى. يمثل نموذجًا للحسابات الحديثة التي تبدأ بالتمويه. | المتابِعون: 1.5 ألف المتابَعون: 12 |
| [أبو أيمن]6 | 28/12/2025 | يقوم بدعم صريح لـ "داعش" من خلال منشوراته ويُكفر الحكومة السورية الجديدة. | المتابِعون: 5.5 ألف المتابَعون: 32 |
1- طبيعة هذه الحسابات ومحتواها
آبوُ بُكر [1]: أُنشئ الحساب بتاريخ 5/7/2023. يعود تاريخ أقدم منشور في الحساب إلى 3/1/2026، ويَظهر بمحتوى الحساب إعلام تنظيم "داعش"، وصوَر لشخص من الواضح أنه يبدو "أبو بكر البغدادي"، كما يظهر تفاعله مع منشوراتٍ تتحدث عن مفهوم الخلافة.
حِجَ.ي. أبو ليلة الفرات [2]: حساب حديث أُنشئ بتاريخ 13/1/2026، ونَشَط منذ 15 /1. تُظهر المنشورات بالحساب احتفاءً بالمتحدث الرسمي السابق للتنظيم، طه صبحي فلاحة (أبو محمد العدواني) الملقّب بـ "المنجنيك"، ومنشور آخر تظهر فيه صورة تجمع بين المعدات العسكرية والميكروفون، كما يوجد ارتباطات مع حسابات بأسماء مشابهة، الأمر الذي يُرجح أنه ضمن شبكة مترابطة.
بعد القيام بالبحث عن هذا الحساب - "حِجَ.ي. أبو ليلة الفرات" [2]- حَظَرَه موقع الفيسبوك على الأرجح، ولكن بعد البحث وجدنا حساب مطابق بشكل كبير بتغيير بسيط بالاسم ولكنه يحمل نفس المحتوى "الخدوم. أبو ليلة الفرات"7.
كما اكتشفنا أن الحساب الذي يحمل اسم "الخدوم. أبو ليلة الفرات" [7] تم حظره أيضًا، الأمر الذي يوضح لنا أن هذا الحساب، والحسابات المشابهة له، تعرّضت لحملة حظر مكثّفة. وحاليًا يوجد حساب جديد يحمل اسم "حِجَ.ي أبو ليلة الفرات"8 نشر ما يدل أن حساباته تتعرض للحظر من إدارة موقع الفيس بوك.
حِــجــي مُســـ.ـتـــطـــآبـ [3]: أُنشئ الحساب بتاريخ قديم نسبيًا، في 1/7/2021، ونرَجَّح أنه جزء من الشبكة، إذ يقوم صاحب الحساب بضخِّ منشوراتٍ داعمة لِتنظيم "داعش"، كما يتخفّى بوضع صورة منظر طبيعي للحساب والغلاف، ويُرجح أنه مرتبط بنفس الشبكة مع "حجي سعود العامري" [4].
حجي سعود العامري [4]: أنشأ الحساب بتاريخ 9/7/2010 حساب "نائم" قديم جدًا، يمثل قيمة عالية في التخفي. يرجع انه جزء من الشبكة.
أبو عبيدة الشامي [5]: أُنشئ الحساب بتاريخ 2/1/2026، وهو حساب حديث يقوم بنقد الحكومة السورية الجديدة كغطاء، مع دعم صريح لتنظيم "داعش" في منشورات أخرى.
أبو أيمن [6]: أُنشئ الحساب بتاريخ 28/12/2025، وبحسب وصف صاحب الحساب، يوضح أنه كان لديه حساب قديم وقُيّد بسبب المحتوى، كما يظهر دعمه بشكلٍ واضح لتنظيم "داعش" عن طريق مشاركته منشورًا للمتحدث الرسمي السابق باسم تنظيم "داعش" - طه صبحي فلاحة (أبو محمد العدواني) – إضافة إلى ما سبق فإننا رصدنا أنه يُكفر الحكومة السورية الجديدة من خلال منشوراته المختلفة.
تصنيف نشأة الحسابات وفق سيناريوهات وطرق تخفيها من الخوارزميات
السيناريو الأول
يُظهر تحليل البنية التحتية لهذه الشبكات عن استراتيجية زمنية مدروسة، إذ أنَّ الفارق الكبير في تواريخ إنشاء الحسابات المرصودة يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات محتملة، أبرزها، إجراء "الحسابات النائمة".
يبدأ هذا الإجراء بعملية إنشاء/ اختراق عدد كبير من الحسابات على منصات التواصل، ثم تركها في حالة سبات لفترة طويلة، بحيث لا تبدي أي نشاط، فلا تنشر ولا تعلق، بل يبقى وجودها صامت في الخلفية، بينما تُخزَّن بيانات الدخول الخاصة بها في قواعد بيانات مؤمَّنة.
تُوقَظ هذه الحسابات في اللحظة المناسبة بشكل جماعي ومنسق. من أبرز ما يميِّز هذه الطريقة هي أن عُمر الحساب يمنحه المصداقية، فالحساب الذي أُنشئ قبل سنوات، يبدو طبيعيًا تمامًا لخوارزميات الكشف، الأمر الذي يسمح له بتجاوز أنظمة الرقابة الآلية، وبالتالي أي محتوى ينشره يكتسب هالة من الثقة يصعب التشكيك فيها.
على سبيل المثال: حسابات مثل "حجي سعود العامري" [4] الذي يعود لعام 2010، و "الخدوم أبو ليلة الفرات" [7] الذي أُنشئ في عام 2008، تُظهر كيف تُستغلّ الحسابات القديمة كأداة لتخطي آليات الرقابة الحديثة التي تطبقها المنصات.
السيناريو الثاني
حسابات تعمل كجسر نقل أولي تقوم بنشر المحتوى أو إعادة مشاركته بطريقة تبدو عفوية. بعد أن يكتسب المنشور تفاعلًا أوليًا من خلال هذه الحسابات الآمنة تقوم شبكات التأثير الأكبر بالتقاطه ونشره على نطاق أوسع، وعند هذه النقطة يكون قد اكتسب "قبول أولي" يجعله أقل عرضة للشك.
السيناريو الثالث
توفر بعض منصّات التواصل الاجتماعي مثل: "انستغرام" و"فيسبوك"، القدرة على رؤية الأسماء السابقة للحساب، ويكشف هذا الخيار عن التحولات في هُوية الحساب، إذ قد تجد حسابًا يحمل اليوم اسمًا محليًا بسيطًا بينما كان اسمه السابق يحمل دلالات سياسية أو أيديولوجية واضحة، على سبيل المثال من "ابو الزبير الهلالي" إلى "حجي سعود العمري" [4]، وأيضًا من "كابوس الصحوات" إلى "ابا قحافة الحلبي"9، وهذا التغيير هو إجراء متعمّد لتبييض تاريخ الحساب والاندماج في بيئة جديدة بعد حَظرٍ أو تقييدٍ سابقين.
استخدام الأسماء الهجينة للتخفي
لتجاوز الخوارزميات التي أصبحت أكثر تطورًا في رصد المحتوى المخالف، تلجأ هذه الشبكات إلى أساليب تخفٍّ متقدمة تعتمد على التلاعب بالرموز واللغة والأسماء، والهدف جعل المحتوى غير مقروء للآلة ولكنه يظل مفهومًا بضوح للجمهور المستهدف.
1- التحايل على خوارزميات المراقبة
يستخدم تنظيم "داعش" صورًا تبدو مقبولة للخوارزميات، لكنها تحمل رسائل للمتابعين، وهي على نمطين اثنين كالتالي:
- صُوَر الطبيعة والحيوانات: كالمناظر الطبيعية أو الحيوانات، فهذه الصُّوَر لا تثير شكوك الأنظمة لأنها تبدو آمنة.
- الرموز الدينية العامة: مثل آيات قرآنية أو صُورَة مساجد، يتم استخدامها في المنشورات دون كلمات محظورة مع ربطها بالقضية المستهدفة عبر التعليقات النصية.
2- الأسماء الهجينة: تمويه الهوية الرقمية
يعد اختيار اسم الحساب خطوة مهمة، فبدلاً من الأسماء الصريحة التي يمكن ربطها مباشرة بتنظيم "داعش"، تُستخدم "أسماء هجينة" تدمج بين هويات مختلفة لخلق ستار من الغموض؛ الدمج بين الهوية الجهادية والاجتماعية، مثل الأسماء التالية: "عتيق"، أو "بدرة الشام"، أو "حجي". فعلى سبيل المثال، قد يُستخدم لقب "حجي" أو "الحاج"، وهو لقب ديني واجتماعي شائع ومحترم، في سياقات أخرى، كالإشارة إلى قائد عسكري أو شخصية ذات مكانة في تنظيم عسكريّ ما. الأمر الذي يجعل الحساب يبدو كحساب شخصي عادي لمواطن من المنطقة، الأمر الذي يصعّب على الخوارزميات والمراجعين البشريين تصنيفه كحساب دعائي أو متطرف من النظرة الأولى. لذلك فإن هذا النوع من الحسابات، يَصْعُب التعرف عليه من قبل الخوارزميات المُعتادة، إذ يُعرف عن طريق الرصد اليدوي أو في حالة ارتكاب خطأ متكرر من هذه الحسابات، فتُكشف وتُحظر.
النتائج
توصلنا في تحقيقنا إلى أنَّ العودة الملحوظة لحسابات التنظيم على منصات التواصل، وتحديدًا منصّة "فيسبوك"، هي انعكاس لعملية تطوير رقمي تهدف إلى الالتفاف على الرقابة، إذ انتقل التنظيم من المواجهة المباشرة إلى تكتيك التسلل الهادئ، مستبدلًا هويته الصريحة بأخرى "هجينة" تتخفّى بأسماء رمزية ومحتوى يبدو في ظاهره محليًّا أو دينيًّا عامًّا لتجنب الرصد الآلي.
اعتمد نجاح هذه الحسابات على ثلاث ركائز: تضليل الخوارزميات عبر استخدام لغة مموهة ورموز بصرية لا تثير الريبة، والمصداقية المكتسبة من خلال تفعيل حسابات قديمة تملك تاريخًا نظيفًا، والدعم المؤسسي الذي يوفر الغطاء التقني والمالي لتجاوز قيود التحقق من الهوية.
في المعركة الرقمية القادمة، ربما ستكون مع المحتوى المموّه، الأمر الذي يفرض تحولًا في أدوات الرصد من الكلمات المفتاحية إلى التحليل السلوكي والتقني المتكامل لتتبع تاريخ الحسابات وأنماط ترابطها.

