ملخص
تعالج هذه الدراسة مسألة الأمن الإقليمي للمنطقة من منظور بنائي يركز على مفاهيم الهُوية والخطاب ويطرح إمكانية ترسيخ الأمن والاستقرار بواسطة تغيير الثقافة المهيمنة على العلاقة بين أطراف الصراع، من ثقافة تصارعية (هوبزية) إلى ثقافة تشاركية (كانطية)، وذلك وفقًا للأطروحة التي قدمها "ألكسندر وندت" أحد أشهر منظري البنائية في العلاقات الدولية. وتتناول الدراسة بالتحديد الفواعل الكردية المسلحة ما دون الدولة؛ فبعد شرح مفهوم الفواعل المسلحة ما دون الدولة وتبيان أسباب ازدهارها في فترة ما بعد الربيع العربي، تطرقت الدراسة إلى تاريخ القوى الكردية المسلحة في كل من سورية والعراق ثم شرح الفوارق الأيديولوجية والتنظيمية فيما بينها. ويعد الاختلاف بين القوى السياسية الكردية في كلٍّ من سورية والعراق دلالة على إمكانية بناء سلام محلي على الأراضي السورية، يتخطاه إلى سلام إقليمي شامل بين سورية والدول المجاورة، وأساس الاختلاف السابق هو ميْل القوى الكردية السياسية السورية إلى البقاء ضمن الدولة المركزية مع الحفاظ على خصوصيتها الثقافية، وليس الانفصال التام كما تهدف نظيراتها في العراق.
توصي الدراسة باتباع سياسات أمنية قائمة على الحوار والاعتراف، مع الفواعل الكردية المسلحة ما دون الدولة عوضًا عن سياسات القمع والعنف، واعتبارها تهديدًا للأمن القومي، فمن الضروري بناء ثقافة تشاركية بهدف عدم تكرار الأحداث السابقة وإرساء أمن إقليمي مستقر.
مقدمة
ركزت أدبيات العلوم السياسية على دراسة الدولة بوصفها فاعلًا عقلانيًّا تمثّل عادةً العنصر الأساسي المؤثر في العلاقات الدولية. لكن عالمنا اليوم لم يعد كما السابق، فهو محكوم بمبدأ العولمة، فالدولة فقدت جزءًا من سيادتها لصالح "الفواعل من غير الدول" (Non-State Actors) التي أصبح لديها قدْرًا عاليًا من التأثير في السياسات المحلية والدولية، وعابرة ومتجاوز لدولها.
ومع التنوع الكبير في تصنيفات الفاعلين من غير الدول، إلا أنه يُلاحظ بروزها في الشرق الأوسط إما كتنظيمات مسلحة تملك سلطة إقليمية بحكم الأمر الواقع، أو كقوة سياسية تُسوّق نفسها عبر انتخابات محلية لتمتلك شرعية الوجود السياسية. ويصعب دراسة هذه الكيانات السياسية عن طريق النظرية الواقعية التي تركز على الدولة وسيادتها والمفاهيم المرتبطة بها كالأمن قومي والمصلحة الوطنية، فهي ليست دولًا بالمعنى الكامل ولا تحظى بالاعتراف الدولي، رغم تمتعها بكثيرٍ من سمات الدول المعاصرة كوجود مؤسسات وعلاقاتٍ خارجية تمنحها القدرة على إضفاء نوع من الحوكمة على الإقليم وعلى السكان الذين تدير شؤونهم بحكم الأمر الواقع.
ويمكن القول بأن الإطار التحليلي البنائي الذي يركز على الهُوية هو الأمثل لدراسة الفاعلين من غير الدول، فالبنائية ترتكز على الانسيابية وسرعة التغيير، وهو ما يناسب هذه الكيانات وتكون معرضة للزوال بشكل أسهل بكثير من الدولة التقليدية ذات السيادة بسبب عدم امتلاكها حدودًا ثابتًا.
وفي الوقت الراهن، تظهر في الشرق الأوسط كيانات سياسية كردية شبيهة بالدول (Quasi State)، تمتلك نفوذًا إقليميًّا واسعًا في الأراضي التي تسيطر عليها، ويوجد في سورية والعراق مثالان بارزان يُمثّلان هذه الحالة مع اختلافات ظاهرية بينهما، فإقليم كردستان العراق هو إقليم فدرالي يحظى بشرعية دستورية محلية، أما قوات سورية الديمقراطية – "قسد" على الناحية الأخرى فهي مشروع حكم ذاتي وُلِد بحكم الأمر الواقع ولا يحظى بالاعتراف من الدولة السورية.
الفرق الجوهري الأهم بين هذين المشروعين يكمن في الهدف؛ ففي حين تسعى السلطات في إقليم كردستان العراق إلى بناء مؤسسات رسمية تُمهّد الطريق إلى نيل الاستقلال الدائم، فإن القوى الكردية في سورية لا تفكّر بالاستقلال، بل ترتكز على أيديولوجيا "الكونفدرالية الديمقراطية" (كما تسميها) التي تركز على الحكم الذاتي والتنظيم المجتمعي كجزء من الدولة السورية من دون الانفصال عنها. هذا الفرق هو مبدأ أساسي تستند عليه الدراسة التي تحاول تقديم رؤية حول إمكانية تأدية القوى الكردية في سورية دورًا إيجابيًّا في الأمن المحلي والإقليمي وليس العكس.
المشكلة والتساؤل البحثي
بعد اندلاع الثورة السورية في عام 2011 باتت معظم الحدود السورية مع دول الجوار غير مضبوطة، وأصبحت ممرًّا لمختلف أنواع التنظيمات المسلحة. وبعد إسقاط نظام الأسد في عام 2024 تسعى الحكومة السورية الجديدة إلى تثبيت سلطتها وسيادتها على كامل أراضي الإقليم الذي يمثل الدولة السورية، خاصّة بعد الفوضى الأمنية التي سادت خلال فترة الثورة بين عامي 2011 و2024.
توصلت الحكومة السورية الجديدة إلى اتفاق مع "قسد" بغية دمج قواتها العسكرية وإنهاء حالة العداء، وذلك بعد الاقتتال الذي دار بين الطرفين خلال شهر كانون الثاني/ يناير 20261، لكن "قسد" ما تزال موجودة كقوة عسكرية بحكم الأمر الواقع على الرغم من اندماجها، إذ يستلزم وقتًا طويلًا ليُستكمل ذلك الاندماج، وما تزال أيضًا تتفاعل مع إقليم كردستان العراق، إذ تجلّى هذا التفاعل بوضوح بعد أن أُرسل مقاتلون أكراد من العراق إلى سورية للقتال مع "قسد" في أثناء حربها مع الحكومة السورية في كانون الثاني/ يناير.2
هذا النوع من التفاعل بين كيانين غير دوليّيَن يتشاركان هوية إثنية واحدة يجعل من الصعوبة بمكان إنشاء أمن محلي وإقليمي مستقر في الدولتين التقليديتين (سورية والعراق) اللتين تحتضنان هذه الفواعل من غير الدول، فالعلاقة بين المشروع القومي الكردي في سورية ونظيره في العراق ليست بسيطة، فهي تشمل جوانب تصادمية أكثر من كونها تعاونية. وتتجلى الجوانب التصادمية في عدة نقاط، مثل: العلاقة مع تركيا، والصراع على قيادة المشروع القومي الكردي، والخلاف حول الاستراتيجية تجاه الحكومة المركزية (بغداد ودمشق). ومن أبرز مظاهر التصادم بين المشروعين هو صراع النفوذ في منطقة سنجار على الحدود السورية العراقية 20173.
لكن استخدام الإطار النظري البنائي الذي يركز على مفاهيم الهُوية والخطاب في تحليل المعطيات قد يشير إلى إمكانية استبدال الثقافة العدوانية بثقافة تشاركية تجلب الاستقرار بدلًا من الصراع، وذلك بالتركيز على الجانب السوري. ومن هذه المشكلة يمكن طرح السؤال الرئيس الآتي: كيف يمكن للفواعل الكردية ما دون الدولة أن تؤدي دورًا إيجابيًّا في تعزيز والأمن والاستقرار على الأراضي السورية؟ ويمكن طرح السؤال الفرعي الآتي: ما طبيعة الاختلاف بين المشروع السياسي الكردي في كلّ من سورية والعراق؟
فرضية البحث
تفترض الدراسة للإجابة عن سؤالها الرئيس، أن الأيديولوجية التنظيمية التي تتبناها القوى السياسية الكردية في سورية والقائمة على تأسيس حكم ذاتي داخل حدود الدولة السورية هي عامل مهم في تسريع الاندماج وتحقيق الاستقرار. كما تفترض للإجابة عن السؤال الفرعي أن المشروع السياسي الكردي في العراق يأخذ شكل شبه دولة تهدف إلى الاستقلال والتحول إلى دولة على المدى البعيد، أما في سورية فالمشروع الكردي يؤكد على الحكم الذاتي في حدود الدولة السورية من دون أي محاولة لتغيير شكل النظام القائم فيها.
مراجعة الأدبيات
تشرح واحدة من نظريات نشأة الدولة أنها نتيجة تعاقد واتفاق إرادي بين أفراد المجتمع يهدف إلى تنظيم حياتهم المشتركة، إذ يقدم كلًّا من جون لوك (John Locke) وجان جاك روسّو (Jean-Jacques Rousseau) مقاربتين متميزتين لهذا الاتفاق تحت مسمى "العقد الاجتماعي". فالدولة عند لوك هي كيان محدود السلطة، ملزم باحترام حقوق الأفراد، وإذا انتهكت هذه الحقوق يحق للشعب مقاومتها. أما لدى روسو فهي دولة ذات سيادة مطلقة وغير قابلة للتجزئة، تتجسد في الشعب نفسه، وتكون الحكومة مجرد وكيل منفذ لهذه الإرادة. باختصار، إذا كان لوك يؤسس لدولة "الحارس الليلي" التي تحمي حقوق الأفراد من التعدي، فإن روسّو يؤسس لدولة "الاندماج الجماعي" إذ يتحقق الأفراد بالانصهار في الكيان السياسي العام4.
وبالتركيز على النظرية البنائية التي هي أساس الإطار النظري لهذا البحث يمكن الرجوع إلى كتاب "النظرية الاجتماعية للسياسة الدولية" (1999)، للعالم ألكسندر ونت (Alexander Wendt) الذي أسس لمفهوم الدولة انطلاقًا من فكرة "الذاتانية"5 التي تمثل النواة الأساسية للدولة كفاعل موحد وواعٍ بذاته. يرى ونت أن هذه الذاتانية تتشكل داخليًّا عبر أربعة عناصر جوهرية: فبالإضافة إلى العناصر التقليدية التي هي الشعب والإقليم والسيادة، يؤكد على ويندت على وجود عنصر رابع أساسي، هو "الوعي الذاتي الجماعي" الذي يجعل المواطنين يدركون أنفسهم كيانًا واحدًا تحت مظلة "نحن". مما يعني أن الهُوية الوطنية هي نتاج جدلي بين الذاتانية الداخلية والممارسات الخارجية، إذ تبقى الدولة شخصًا مستقلًّا لكنها تعيد تعريف نفسها باستمرار عبر علاقاتها مع العالم6.
إن بروز الجماعات والتنظيمات والجماعات المسلحة غير الحكومية يرتبط بشكل أساسي بهشاشة الدولة، فاستنادًا إلى أدبيات المدرسة النيو-كولونيالية التي ترى في الاستعمار السابق وتوابعه المعاصرة عاملًا مهيكلًا لأنماط العنف الراهنة، فإن الجماعات شبه العسكرية لا تنشأ من فراغ، بل تزدهر في سياقات تتميز بضعف الدولة ووجود أنظمة سلطوية تَستخدم هذه الجماعات أحيانًا كأدوات غير رسمية لقمع الحركات الاجتماعية وتأمين مصالح النخب المحلية المرتبطة برأس المال العابر للحدود. كما تستغل هذه التنظيمات الانقسامات الثقافية والعرقية الموروثة عن الفترة الاستعمارية، لتعزيز نفوذها في المجتمعات المتعددة ثقافيًّا، الأمر الذي يُعيد إنتاج أنماط الهيمنة القديمة بأشكال جديدة في عصر العولمة. هكذا، تتكشف العلاقة الجدلية بين الإرث الكولونيالي، والبنى السلطوية، والتعددية الثقافية، كعوامل متشابكة تفسر استمرار ظاهرة العنف المسلح غير الحكومي في دول الجنوب7.
تعيد المقاربات البنائية تعريف إعادة بناء الدولة بالتركيز على آليتين:
- تشكيل الحدود الثقافية؛ فالدولة ليست كيانًا جامدًا، بل هي نتاج ديناميكي للتفاعلات الاجتماعية والصراعات المستمرة حول الانتماء، إذ تُبنى الحدود الثقافية عبر آليتين: إمّا من الأعلى عبر فرض النخبة الحاكمة لسرديات وطنية وتصنيفات سكانية جديدة8؛ أو من الأسفل عبر تحدي الجماعات المهمَّشة للحدود الراهنة ومطالبتها بالانفصال عنها والاعتراف بها.
- تشكيل حدود المواطنة؛ فإعادة بناء الدولة تتطلب فهم المواطنة كنتاج للصراع، إذ يمكن لهذا الصراع أن يعيد تشكيل الدولة نحو مزيد من الشمولية عندما يُتاح للجماعات المهمشة فرصة التفاوض على شروط الانتماء والاعتراف بهوياتها الثقافية9.
الإطار النظري
النظرية البنائية في العلاقات الدولية
ترى البنائية العالم باعتباره بناءً اجتماعيًا، وتشير إلى طبيعة الواقع التي تُعرف بمبحث الأنطولوجيا (نظرية الوجود)، وطبيعة المعرفة التي تُعرف بالإبسيمولوجيا (نظرية المعرفة)، إذ يقدم ألكسندر ونت (1995)10 مثالًا يوضح فيه البناء الاجتماعي للعالم، فيشرح أن 500 سلاح نووي بريطاني يُشكّل تهديدًا أقلّ على الولايات المتحدة الأميركية من خمسة أسلحة نووية كوريّة شماليّة. فهذه التصورات لا تَنتُج عن الأسلحة النووية (البنية المادية) في حدّ ذاتها، بل عن المعنى المعطى (البنية الفكرية) لهذه البنية المادية11.
إن التهديدات الأمنية وفقًا للنظرية البنائية ليست حقائق موضوعية، بل بنًى اجتماعية تشكلها الهُويات والخطاب والتفاهم المشترك بين أفراد المجتمع، فإن صياغة الاستراتيجيات الأمنية لا يمكن النظر إليها على أنها محايدة أو موضوعية بحتة، وبدلًا من ذلك، يجب فهم السياسة الأمنية كناتج من القوى الفكرية المتجذرة في الافتراضات السائدة والأولويات السياسية والمعتقدات المجتمعية، وعلى عكس وجهات النظر التقليدية، فإن النظرية البنائية تُسلّط الضوء على كيفية تشكيل الهُوية والمعايير والمعاني المشتركة للاهتمامات الأمنية. وتكشف أن التصورات المشتركة غالبًا ما تستند إلى روايات مبسطة وسائدة في المجتمع، وعليه فإنها تشجع نهجًا أمنيًّا قائمًا على الحوار والتحول إلى ثقافة التعاون، بدلًا من الردع والإقصاء بتعزيز التفكير النقدي12.
قد تكون النظرية البنائية هي الأقدر على شرح الحروب الأهلية وتفسيرها وفهمها لتركيزها على الهُوية والأفكار والبناء الاجتماعي في النظام الدولي. ففي مرحلة الحرب الباردة (1945-1991) زاد الاهتمام بشكل كبير بمسألة الهُوية والانتماءات العرقية خاصةً في ظل غياب السلطات المركزية في المجتمعات التي شهدت حروبًا أهلية، فعلى سبيل المثال؛ الحرب الأهلية في يوغوسلاڤيا (1991-2001) حدثت بعد انهيار النظام المركزي في العاصمة اليوغسلاڤية بلغراد؛ لأن قيادة جوزيف تيتو (Josip Tito، 1892-1980) وما تلاها من حكومات فشلت في ترسيخ الهُوية الوطنية اليوغسلاڤية، وتَراجُعِ الهويات الفرعية الأخرى، إذ بقيت هذه الهويات لدى أفراد المجتمع اليوغوسلاڤي، وشكَّلت - أي الهُويات - المرجعية للأقليات المتعددة التي ما زالت مؤمنة بطلب الانفصال عن الحكومة المركزية13.
لذا قد تكون النظرية البنائية هي الأقدر على تفسير الصراعات الدائرة في سورية، كونها تنطلق من أن الهُوية تحدد سلوك الفاعلين بوصفهم جزءًا من تكوين الهوية، إضافة إلى القيم والقواعد الضابطة التي تَكوّن منها البناء الاجتماعي. فازدياد أهمية الهُوية خلال الفترة الماضية أبرز هُويات وانتماءات فرعية من الهُوية الوطنية الشاملة، وفتح الفرصة أمام صراعات داخل الدول أساسها تلك الانتماءات الفرعية. ففي ظل غياب الهُوية الوطنية الجامعة تصبح الطائفية والعشائرية والمذهبية والعرقية هي المرجع والمحدد لسلوك الأفراد. وفي الحالة السورية يرى بعض البنائيين أن الهُويات الفرعية التي أعاقت تأسيس هوية ودولة وطنيتين كانت موجودة دائمًا في مجتمع أبويّ تقليديّ تَغذّت منه هذه الانتماءات وعززها هذا المجتمع في السابق، وبرزت إلى السطح عندما تراجعت سلطة النظام السياسي السابق وأصبحت غير قادرة على القيام بمهماتها الأساسية14.
وعليه، فإن هذا الإطار النظري يحاول استلهام المقاربة البنائية من حقل العلاقات الدولية وتوظيفها في فهم عملية بناء الدولة، أو بناء الدولة في مرحلة ما بعد الصراع، وذلك عن طريق التأكيد على الثقافة التشاركية. ويشمل ذلك تقديم مفاهيم مثل الاعتراف الثقافي، وبيان الاختلاف بين أهداف التنظيمات بالعودة إلى أسباب نشأتها، من أجل فهم الكيفية المناسبة لمعالجة هذه الظواهر، فأنماط العنف والصراع ليست متماثلة؛ إذ تتراوح بين الإبادة، وأشكال أخرى من الإنكار الثقافي الذي مارسته السلطة السياسية، ومن ثمّ فإن الحلول لا بد أن تكون مختلفة تبعًا لاختلاف السياقات.
الطبيعة الخاصة للفواعل الكردية ما دون الدولة
يمكن تصنيف الفواعل الكردية في المنطقة على أنها فواعل مسلحة ما دون الدولة، وتُعرف الجهة المسلحة ما دون الدولة بأنها كيان مستقلّ عن الدولة ذو أيديولوجية عمل يستخدم تكتيكات أو وسائل عنيفة لتحقيق أهداف سياسية، والتواصل مع مجموعة من المؤيدين، وفرض السيطرة على منطقة جغرافية معينة أو سكان معينين، كما تُعرف أيضًا بأنها جماعة مسلحة قادرة على ممارسة سيطرة ناجحة ومستدامة على منطقة ما لتنفيذ عمليات عسكرية منسقة بهدف تحقيق غايات سياسية. وعلى هذا النحو، تشمل السمات المشتركة للجهات المسلحة غير الحكومية ما يلي: التنظيم والعمل خارج سيطرة الدولة، واستخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية، وعدم انتظام الأعمال العسكرية، وامتلاك هيكل شبه حكومي لتنفيذ الأهداف15.
تستمد الفواعل الكردية المسلحة ما دون الدولة شرعيتها من كونها تمثل شعبًا بلا دولة، فالكرد يمتلكون السمات الثقافية واللغوية التي تؤهلهم نظريًّا لتشكيل فواعل دولية مؤثرة، أو دولًا ذات سيادة، لكن السياق التاريخي لم يمنحهم دولتهم الخاصة، بسبب الولادة المشوهة لدول المنطقة على يد الاستعمار.
ينتشر الأكراد في منطقة تضم اليوم أجزاءً متجاورة من إيران والعراق وسورية وتركيا. إذ يُشكّل الأكراد 7 في المئة من سكان إيران، و15-20 في المئة في العراق، وبحدود 9 في المئة في سورية، و20 في المئة في تركيا، ويُشكّلون ثاني أكبر مجموعة عِرقية في جميع هذه البلدان، باستثناء إيران، ويعيش ما يقرب من 55 في المئة منهم في تركيا، وحوالي 18 في المئة في كلٍّ من إيران والعراق، وما نسبته 5 في المئة في سورية16.
في بدايات القرن العشرين ظهرت آمال لإنشاء دولة كردية بعد معاهدة سيڤر (1920)، لكن معاهدة لوزان في عام 1923 قضت على هذه الآمال، ووُزّع الأكراد بين تركيا وإيران والعراق وسورية، ووَعَدت بريطانيا بمنح الحكم الذاتي لإقليم كردستان العراق بعد الاستقلال، لكن الوعد لم يُنفذ. وهكذا، في نهاية عام 1925 وجد الأكراد أنفسهم مُقسّمين بين تلك الدول الأربعة17.
في العراق، أدى نضال سياسي استمر لعقود إلى الاعتراف بالحكم الذاتي الإقليمي الكردي في عام 1970. ومع ذلك، انهار الاتفاق في عام 1974، وتلاه إنهاء الحكم الذاتي الإقليمي لمنطقة إقليم كردستان، ثم الحرب العراقية الكردية الثانية (1974-1975) التي انتهت بهزيمة المسلحين الأكراد بعد سحب الدعم الإيراني، ثم تنفيذ الدولة في العراق لسياسات التعريب لتغيير التركيبة السكانية والديموغرافية في المناطق الغنية بالنفط مثل مدينة كركوك والتي اعتمدت بشكل رئيس على تهجير الأكراد وتوطين العرب، ثم وقع التمرد المسلّح الذي أشعلته قوات البيشمركة الكردية ضد الحكومة في بغداد في السبعينيات والثمانينيات وتصاعد في فترة حرب العراق مع إيران، ومن بعدها وقوع أهوال الهجمات الكيميائية في عام 1988 وعمليات الترحيل الجماعي بين عامي 1987 و1988 التي أسفرت عن هزيمة فعلية للحركة المسلحة الكردية في العراق.
لكن تجددت الفرص لأكراد العراق بعد غزو الولايات المتحدة الأميركية بلادهم في عام 1991، بالتحديد حين نفّذ التحالف الدولي عملية "توفير الراحة" (Operation Provide Comfort) لتقديم المساعدات الإنسانية للاجئين، وفرْض منطقة حظر جوي شمال خط العرض 36 لحمايتهم. كانت منطقة الحظر الجوي هذه هي التي أدت فعليًّا إلى نشوء منطقة إقليم كردستان ذات الحكم الذاتي، ووُلد كيان إقليمي جديد يضم محافظات السليمانية وأربيل ودهوك. أصبحت هذه المنطقة تُعرف باسم "إقليم كردستان في العراق" أو "منطقة إقليم كردستان ذات الحكم الذاتي"18.
وفي سورية، تحولت الانتفاضة المدنية في عام 2011 سريعًا إلى ثورة مسلحة، ثم كانت النتيجة مجموعة متصاعدة من النزاعات المتشابكة والعنيفة في مواقع مختلفة، مع تحالفات من الجيوش والميليشيات المؤلفة من قوًى مستقلة وقوًى بالوكالة، ولم تتمكن أي جهة منفردة من تحقيق النصر. على الرغم من أن المناطق الكردية في سورية كان لها تاريخها الخاص في المقاومة ضد سياسات الدولة السورية القمعية في عهد حافظ الأسد ثم ابنه بشار الأسد، والتي شملت سياسات التعريب وحرمان الجنسية، ففي عهد حافظ الأسد كان هناك قيود صارمة على مظاهر الاحتفال بعيد النوروز، لكن الأكراد السوريين تحدوا قبضة النظام الأمنية، ففي عام 1986 أطلقت الشرطة النار على آلاف الأكراد الذين يرتدون الزي التقليدي في دمشق للاحتفال بمهرجان الربيع، مما أسفر عن مقتل شخص واحد، وفي عهد بشار كانت انتفاضية القامشلي عام 2004 أبرز مثال على هذه المقاومة19. إلا أن الاحتجاجات في المناطق الكردية خلال بدية الثورة السورية كانت متأخرة نسبيًّا إذ بدأت في عام 2012. ومع مواجهة الدولة تهديدًا وجوديًّا في العاصمة، ضَعُف نفوذ الدولة في هذه المنطقة، وعلى الرغم من انسحاب الدولة إلا أنها احتفظت بمعاقل في الحسكة والقامشلي. في السنوات التي تلت ذلك، تمكنت قوات وحدات حماية الشعب - ولاحقًا قوات سورية الديمقراطية (وهو تحالف قوى تأسس حول وحدات حماية الشعب وتطور ليصبح تحالفًا أوسع وتقدميًا ومتعدد الأعراق والأديان) - من فرض احتكار القوة في المناطق الخاضعة لسيطرتها وبناء إدارات مستقرة وعاملة نسبيًّا20.
ازدهرت الفواعل المسلحة ما دون الدولة وعلى رأسها الفواعل الكردية في الشرق الأوسط في فترة ما بعد الربيع العربي بسبب جملة من العوامل أبرزها21:
- تردي هياكل الدولة
- الدول ذات الشرعية الضعيفة والقمع الشديد تخلق بيئة خصبة لظهور المعارضة المسلحة.
- غياب الشرعية السياسية وانهيار المؤسسات (كما في سورية والعراق وليبيا واليمن) يخلق فراغ سلطة تملؤه هذه الكيانات ببناء هياكل حكم موازية.
- قمع الاحتجاجات السلمية (كما في سورية) يدفع نحو تسليح المعارضة وتحول الأزمة إلى حرب أهلية.
- المطالبات الإقليمية (المنطق الإقليمي): إذ تُعتبر السيطرة على الأرض موردًا سياسيًّا وأيديولوجيًّا أساسيًّا لهذه الكيانات.
- السياق الإقليمي (الصراع بالوكالة):
- لا تنحصر الصراعات داخل حدود الدولة، بل تتحول إلى مجمعات أمنية إقليمية.
- تدخل القوى الإقليمية عبر دعم وكالات محلية (مليشيات) يؤدي إلى توطيد وتوسيع هذه الكيانات، ويمنحها شرعية وقدرات جديدة.
- التدخل العسكري الخارجي:
- يلعب التدخل الدولي (مثل التدخل الأميركي في سورية) دورًا حاسمًا في تغيير موازين القوى واحتواء أو دعم انتشار فاعلين معينين على حساب آخرين.
- القوى الكبرى قد تتدخل لوقف الصراع، لكن الديناميكيات المحلية والإقليمية هي التي تحدد أنماط الصراع في الغالب.
باختصار؛ باتت الفواعل الكردية المسلحة ما دون الدولة من أهم الفاعلين الإقليميين بالمنطقة بفضل خصائصها الثقافية والاجتماعية التي جعلت من الصعوبة بمكان إمكانية القضاء عليها عسكريًّا مقارنة بكيانات مشابهة مثل تنظيم داعش وحركة حماس، بالإضافة إلى العوامل الداعمة المذكورة سابقًا، خصوصًا ضعف الحكومات المركزية في سورية والعراق والدعم الأميركي لهذه الكيانات بذريعة محاربة داعش.
الاختلاف الأيديولوجي بين المشروع السياسي الكردي في سورية ونظيره في العراق
لم تؤد وحدة المصير الكردي بالضرورة إلى تجانس المشاريع السياسية بين أكراد سورية والعراق، بل شهدت العلاقة بينهما تنافسًا حادًّا في بعض الأوقات. لكن لم يخل ذلك من مواقف شهدت توحيد الصفوف في أوقات الأزمات مثل معركة كوباني في عام 2014، والمعارك مع الحكومة السورية الجديدة في عام 2026.
يبرز الاختلاف الجوهري بين المشروعين بشكل جلي؛ فمشروع إقليم كردستان العراق أو "الباشور" يهدف إلى تأسيس دولة قومية جديدة معترف بها قانونيًّا تنفصل كليًّا عن الحكومة المركزية العراقية، أما المشروع الكردي السوري أو "روجافا" فيرتكز على عقيدة "الكونفدرالية الديمقراطية" المستمدة من أفكار22 عبد الله أوجلان (1948-)23.
أكراد العراق والخروج من الدولة
يُستدل على توجه أكراد العراق نحو الانفصال من الاستفتاء الذي طُرح في 25 أيلول/ سبتمبر 2017، عندما أُتيحت الفرصة للناخبين في إقليم كردستان العراق الاتحادي للإدلاء بأصواتهم بنعم أو لا على السؤال: "هل تريد أن يصبح إقليم كردستان والمناطق الكردستانية الواقعة خارج إدارة الإقليم دولة مستقلة؟". تماشيًا مع فكرة أن بناء الدولة وصيانتها هو الهدف الأساسي للعمل السياسي.
شكل الاستفتاء قطيعة رمزية من قبل المؤسسة السياسية الكردية مع الموقف الرسمي القائم على الانخراط البنّاء من أجل إقليم كردستان ضمن عراق فيدراليّ. في الواقع، في اليوم السابق للاستفتاء، وشكك رئيس الإقليم مسعود بارزاني في جدوى الدولة الاتحادية القائمة، واصفًا إيّاها بشراكة فاشلة والعراق بدولة طائفية.
مثّل الاستفتاء خطوة ثابتة نحو الهدف النهائي المفترض، وهو إقامة دولة مستقلة ومعترف بها دوليًا، ودفع الحزب الديمقراطي الكردستاني بحماس نحو إجراء الاستفتاء. وكانت النتيجة هي ردّ فعل عدواني مباشر من قبل الحكومة المركزية في بغداد أدى إلى هجوم القوات العراقية على منطقة كركوك والسيطرة عليها بعد طرد القوات الكردية24.
وباستعراض الفترة بين عامي 1991 و2017، نخلص إلى الاستنتاج بفشل مزدوج في بناء الدولة، فشل في إقليم كردستان المستقل، وكذلك في العراق ككل. تجلى فشل الأخير في غياب التقدم السياسي أو حتى أي توافق حول كيفية المضي قدمًا، أما في إقليم كردستان فسلط الاستفتاء الضوء على ضعف مؤسسات الحكم الكردية. ثبت أن حكومة إقليم كردستان لم تعد فعالة، وما تبقى هو شبكات حزبية - شخصية - ميليشياوية قائمة على المحسوبية وغير قادرة على العمل معًا25.
لم يؤدِ الاستفتاء إلى إعلان استقلال إقليم كردستان العراق، ولكنه جلب عقوبات صارمة من قبل الدول المجاورة والحكومة الاتحادية في العراق بينما كانت العديد من العقوبات مؤقتة فقط، إلا أنها تسببت في عبء اقتصادي إضافي على الإقليم الضعيف ماليًّا بالفعل، الأمر الذي أضعف السيادة الداخلية للإقليم. لكن أكبر انتكاسة حدثت كانت في البعد السيادي، حيث وقفت جميع الدول القائمة تقريبًا إلى جانب العراق لتعزيز سلامة أراضيه ودولته. بعد هذه التطورات، واجه إقليم كردستان العراق اختبارًا واقعيًّا، خفف من حدة نموه السابق وترسيخ دولته26.
كرد سورية والبقاء في الدولة
تستمد "قسد" عقيدتها التنظيمية من أيديولوجيا "الكونفدرالية الديمقراطية" المبنية على أفكار أوجلان التي لا تسعى إلى تفكيك الدولة القومية، بل إنشاء نظام حكم ذاتي مجتمعي يحفظ الخصوصية الثقافية والاجتماعية للأكراد السوريين، وهذا الخطاب يجعلها تبدو معتدلة وقابلة للتعايش مقارنةً بفواعل مسلحة أخرى من غير الدول27.
تاريخيًّا، لم تخض القوى الكردية في سورية حربًا مع النظام الحاكم كما حدث في تركيا والعراق على سبيل المثال؛ فالذاكرة السوداء في أذهان الكرد العراقيين عن العلاقة السيئة بالنظام المركزي في عهد صدام حسين والمجازر التي ارتكبها النظام بحقهم كانت حافزًا قويًّا في تشكيل الاتجاه المعادي لحكومة بغداد والراغب في تطوير الإقليم الفدرالي إلى دولة مستقلة، أما في سورية فلم يصل الصدام بين الأكراد والأنظمة السياسية الحاكمة السابقة إلى درجة قيام حرب دموية عنيفة.
وبالتالي، وباختلاف واضح عن قوى المعارضة السورية العامة، لم تسعَ القوى الكردية في سورية (PYD)28 ثم "قسد" إلى إسقاط نظام بشار الأسد، بل سعت إلى إقامة مؤسسات محلية تعمل على تدعيم الروابط المجتمعية لحماية الخصوصية الثقافية الكردية في ظل التهديدات المحيطة29. يُستدل على هذا من احتفاظ نظام الأسد قبل انهياره لبعض مواقعه في الحسكة والقامشلي خلال سيطرة "قسد" عليها، فيما يسمى بالمربعات الأمنية.
ويُستدل على هذا أيضًا من أن "قسد" دأبت على استخدام الوثائق الرسمية الصادرة عن السلطات التابعة لنظام الأسد كالبطاقات التعريفية (الهويات) وغيرها، مع استصدار وثائق فرعية خاصة عند الحاجة. كما تجنبت إدارة "قسد" التدخل في المسائل السيادية المتعلقة بالجنسية وتحديد من يَعدّ مواطنًا سوريًّا، أي أنها لم تنافس النظام أبدًا في قضايا الوثائق الرسمية. وهكذا بقيت علاقتها مع نظام الأسد تتأرجح بين التعاون والتنافس بحسب الحاجة30.
الفواعل الكردية والفرصة الكامنة للاستقرار
بناءً على ما سبق، قد تشكل العقيدة التنظيمية للقوى السياسية الكردية في سورية مدخلًا للاستقرار إذا ما قُورنت بنظيرتها في العراق مثلًا، فهي لا تحمل أفكارًا انفصالية تؤدي إلى إنشاء هوية مستقلة عن الدولة السورية، بل يدعو فكرها إلى تدعيم المجتمع الكردي المحلي لبناء نموذج حكم ذاتي يحمي الخصوصيات الثقافية المحلية في إطار الحكومة المركزية للدولة مُتجنبِين الصراع معها.
يمكن الاستعانة هنا بنظرية مثيرة للاهتمام، هي نظرية المساومة العرقية أو دور الأقارب عبر الحدود؛ أساسها هو أنه بعد الحروب الأهلية ذات الطابع الإثني توجد احتمالية جيدة لزيادة الديمقراطية وتقليل الاستبداد؛ وذلك بوجود أقلية عرقية لها أقران في دولة مجاورة، الأمر الذي يرفع من تكلفة القمع على المكون الذي يشكل الأغلبية ويرفع القوة التفاوضية للأقلية المتمردة، فتُجبَر الحكومة على التفاوض مع الأقلية المذكورة وتقديم التنازلات لها31. ويُستخدم مثال الأكراد في تركيا كتطبيق عملي للنظرية، فقيام إقليم كردستان العراق فَرَضَ على الحكومة التركية التفاوض مع الأكراد في تركيا، ما قاد إلى سلسلة تفاهمات مثل المبادرة الكردية في عام 2009 التي نتجت عن اعتراف الحكومة التركية بالأمر الواقع بسبب زيادة القوة التفاوضية لأكراد المنطقة32.
تلك النظرية قد تجد لها صدىً في الحالة السورية؛ فرغم الخلاف الواسع بين القوى السياسية الكردية في كلٍّ من سورية والعراق إلى أن التعاضد العصبوي موجود بين المجموعتين، وقد كان جليًّا عندما توافد المقاتلون الأكراد من العراق إلى سورية للمشاركة في معارك "قسد" ضد الحكومة السورية.
إن إجراءات الأمننة (Securitization)33 التي اتبعتها دول المنطقة في تجريم الهُوية الكردية وقمع المجتمع الكردي لغويًّا وثقافيًّا واعتبارهم تهديدًا وجوديًّا للأمن القومي كانت سببًا أساسيًّا في إفراز الفوضى الإقليمية التي انتشرت بعد أحداث الربيع العربي، وأدت إلى إفراز مركب أمني إقليمي معقد (RSC) يتجلى عبر الفوضى الإقليمية التي تصدرت الفواعل المسلحة الكردية من غير الدول مشاهدها34.
إذًا فالحل يكمن في إيجاد إطار جديد لمعالجة القضية الكردية يقوم على الحوار المتبادل وعدم العودة إلى الممارسات القمعية التي كان تُمارس بحق الأكراد السوريين في العهود السابقة، والاعتراف بالقوى السياسية الكردية والمكاسب التي جنتها في فترة الحرب كأمر واقع يصعب تغييره.
الهدف في النهاية هو تغيير ثقافة العداء والخوف أو (الهوبزية) واستبدالها بثقافة التآلف والتعاون (الكانطية)، كما يصنفها ألكسندر وندت، فهي وفقًا للنظرية البنائية عملية ممكنة وليست بالأمر المستحيل.
خاتمة
قد يبدو للوهلة الأولى لأي متابع أن الفواعل الكردية المسلحة عائق كبير في وجه الأمن والاستقرار، لكننا رأينا فيما سبق أنها قد تمثل فرصة كامنة نحو تحقيق مزيد من الاستقرار والديمقراطية وعدم تكرار أخطاء الماضي وسياسات القمع التي كانت سبب أساسيًّا في رسم ملامح الفوضى التي ميزت المنطقة في السنوات الخمس عشرة الأخيرة. قد تكون النظرية البنائية فعلًا هي الأفضل لتفسير الصراعات في ظل وجود الفواعل المسلحة ما دون الدولة، بتركيزها على مفاهيم الهُوية والثقافة على حساب الدولة وأمنها القومي. وقد وضحت النظرية اختلاف الهُوية التنظيمية بين الكيانات السياسية الكردية في كل من سورية والعراق، وكيف يُعد ذلك فرصة لتحقيق اندماج سريع ومقبول يخلق استقرارًا في الجغرافيا السورية مقارنة بالجانب العراقي.
وبالنجاح في عكس العوامل التي أدت إلى صعود الفواعل المسلحة من غير الدول يمكن تحقيق الاندماج بين كافة مكونات المجتمع ما يقود إلى أمن إقليمي مستتب.

